عناصر من حزب العمال الكردستاني خلال انسحابهم من تركيا إلى قواعدهم في شمال العراق  (الفرنسية)


وسيمة بن صالح-إسطنبول

بدأت عملية انسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني في الثامن من الشهر الجاري من الأراضي التركية نحو قواعدهم في العراق، في جو مشحون بالترقب والسكون.

ورغم أن هذه الخطوة طال انتظارها بعد محادثات السلام التي بدأتها الحكومة التركية مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بهدف إقناع قيادات الكردستاني بإلقاء السلاح وإنهاء العمل العسكري، فإنه لم يتم تسجيل أي نشاط شعبي علني بشأن هذا الموضوع.     

لكن استطلاع رأي أجراه مركز الأبحاث الإستراتيجية  الاجتماعية (ميتروبول) الشهر الماضي بعنوان "نبض تركيا حول عملية السلام" يُظهر أن 66.7% من الذين شملهم الاستطلاع يؤيدون استمرار الحوار السياسي مع حزب العمال الكردستاني كوسيلة لحل القضية الكردية في تركيا، مقابل 33.3% يريدون مواصلة الصراع المسلح.

ورفض 51.1% من المشاركين بالاستطلاع محادثات السلام بين الحكومة التركية وأوجلان. وسجلت أعلى نسبة رفض في منطقة وسط الأناضول، وخاصة في صفوف المنحدرين من دول القوقاز (58.3%) والبلقان (61.2%) في حين يدعم الأكراد العملية بنسبة 74.5%.

البرلمان التركي سيجري تعديلات دستورية طالب بها الكردستاني لإنهاء الصراع (الجزيرة نت)

تجربة جديدة
وتقول فاطمة بوستان أونسال نائبة رئيس الشؤون الاجتماعية وحقوق الإنسان في حزب العدالة والتنمية -في حديث مع الجزيرة نت- إن المنحدرين من دول البلقان والقوقاز يعتبرون تركيا "آخر ملجأ لهم" ولهذا نجد مشاعر القومية قوية عندهم، ويعتقدون أن عليهم "حمايتها ضد أي طرف يريد النيل منها".  

وتلقي اللوم على الإعلام التركي الذي تقول إنه لم يعكس حقيقة المفاوضات السابقة التي تمت بين الحكومات التركية وحزب العمال الكردستاني. بل "أصر على تجاهل المعاناة الكردية وتهديم القرى، وغيرها من الممارسات التعسفية، مصورا الحزب وزعيمه فقط كقتلة متعطشين للدماء ودعاة لتقسيم تركيا".

وترى أونسال أن إعلان المفاوضات الجديدة من قبل الحكومة التركية جعل الشعب التركي يعيش "تجربة جديدة يحتاج وقتا للتأقلم معها". وتؤكد أن الشعب التركي سيقول كلمته الأخيرة "باستعمال صوته في صناديق الاقتراع كما فعل دائما".

وأشارت إلى أن نتائج الاستطلاع يجب ألا تكون مصدرا للقلق على سير عملية السلام، لأن ''السياسة الحكيمة والعاقلة للحزب الحاكم كفيلة بضمان نجاحها''.

ياغين: الحكومات سممت نظرة الرأي العام للأكراد ولذلك يحتاج لإعادة ترتيب موقفه (الجزيرة نت)

إعادة ترتيب
وبدوره، يؤكد الخبير بالشأن الكردي والبروفيسور بقسم السوسيولوجيا بجامعة شهير بإسطنبول مسعود ياغين أن الشعب التركي لن يخرج في مظاهرات ضد عملية السلام أو يحاول إيذاء الأكراد، لكنه سيعبر عن رأيه الحقيقي خلال عملية التصويت على التغييرات التي ستـُدخل على الدستور التركي الحالي.

ويصف ياغين -في حديث له مع الجزيرة نت- هذا التصويت بأنه "امتحان حقيقي لمحادثات السلام" لكنه يؤكد أن الشعب التركي لن يصوت مباشرة على عملية المحادثات بالذات، بل "سيقول نعم أو لا للدستور الجديد" ما بين سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول القادمين.

كما أفاد بأن التغييرات الدستورية الحالية لا تهدف لحل القضية الكردية بتركيا بشكل نهائي، بل تسعى لخدمة أهم مسألة وهي "نزع السلاح" مضيفا أنه بعد ذلك "ستتواصل عمليات المحادثات لحل باقي المشاكل العالقة، مثل استعمال اللغة الكردية بالتعليم، وتقوية صلاحيات السلطات الكردية المحلية''.

ويرى ياغين أن الدعم الكبير الذي تحظى به عملية السلام من قبل الأكراد يعود إلى أنهم "تعبوا من المعاناة والمآسي" إضافة إلى أن أوجلان يعتبر أهم شخصية كردية، وبالتالي فإن "عليهم دعم الاتفاق الذي قام به مع الحكومة التركية".

أما بالنسبة للأتراك، فيقول ياغين إنهم يعيشون فترة "إعادة ترتيب وجهات نظرهم" بعد أن عاشوا سنوات عديدة تحت تأثير ما سماه "تسميم الرأي العام التركي من قبل حكوماته ومن ضمنها حزب العدالة والتنمية" عبر تعبئته بأفكار تنص على أن "حزب العمال الكردستاني وزعيمه أوجلان قتلة انفصاليون يهددون وحدة تركيا".

وكان حزب العمال قد اشترط لإلقاء سلاحه إحداث تغييرات بالدستور التركي الحالي تساعد على التوصل لتسوية للقضية الكردية بتركيا، لكن ياغين أكد أنه حتى ولو لم يتم إحداث التغييرات كلها بالشكل المطلوب، فإن الحزب من المستحيل أن يعود لاستخدام أسلحته ضد تركيا، مشيرا إلى أنه سيبقى موجودا ككيان ولن يزول.

يُذكر أن حزب الشعب والحركة القومية رفضا المشاركة باللجنة البرلمانية التي ستبحث التنصيص على حقوق الأكراد في الدستور, وتحدثا عن "اتفاق سري" محتمل لتحويل تركيا إلى دولة فدرالية.

المصدر : الجزيرة