حلم العودة تتوارثه الأجيال بمخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين (الجزيرة نت)

محمد النجار-عمان

في أحد شوارع مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين في الأردن، كانت الحاجة آمنة سمارة (75 عاما) تجلس على عتبة بيتها تتحدث في "الجلسة اليومية" مع جاراتها لا سيما كبيرات السن.

سألناها عن موضوع الحديث، فأبلغتنا أنه يدور حول الناس الذين يقتلون كل يوم في سوريا، وحول غلاء الأسعار وحول جارهم أبي خالد الذي مات قبل أسبوع وأن الموت حق على كل مسلم.

الحاجة تحدثت للجزيرة نت عن الثوب الذي تلبسه وتمت حياكته بشكل يدوي، وقالت إن نوع الرسمة تعود لمحافظة الخليل، حيث تمتاز كل منطقة في فلسطين برسمة معينة ولون قماش ونوعه تبعا لطقس المنطقة وطبيعتها الريفية أو المدنية أو الساحلية أو الصحراوية.

بدا سؤالنا عما إذا كانت العجائز يأملن في العودة لفلسطين غريبا، لكن الحاجة آمنة قالت "أنا مش راح أرجع أنا على حافة قبري (..) لكن اليهود سيخرجون وأولادنا راح يرجعوا طول ما في لاجئ على وجه الأرض.. هيك ربنا قال في القرآن".

جولة في مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وتبادل للأحاديث معهم كاف لإطلاع المرء على حجم تعلق الناس بفلسطين اليوم أكثر من أي وقت مضى، بفعل ما يرونه زوالا لأنظمة وحواجز كانت تحول بين الفلسطينيين والعودة.

أجيال جديدة
فحلم العودة الذي يتراجع لدى الطاعنين في السن، يبدو أقرب لأجيال اللاجئين الثلاثة التي ولدت خارج فلسطين.

الحاج أحمد أبو دية (أبو عماد) الذي ولد في قرية حلحول قضاء الخليل عام 1942 ويقطن في مخيم النصر للاجئين الفلسطينيين وسط عمان، يتحدث للجزيرة نت عن شعوره بالحزن الشديد في كل ذكرى للنكبة "لأن البلاد ضاعت".

لاجئ فلسطيني بأحد أزقة مخيم البقعة (الجزيرة نت)

يروي أبو عماد قصة نزوحه إلى الأردن عام 1967، لكنه يصر على أن نكبة عام 1948 تظل هي الذاكرة الأكثر إيلاما بالنسبة لكل فلسطيني.

ويضيف "لدي أمل كبير بأن تعود فلسطين بإذن الله تعالى في يوم ما، لن يعود حقنا إلا بالجهاد في سبيل الله، المقاومة نجحت في إحياء القضية لكن هذا ليس كاف، الجهاد بكل الوسائل هو الذي سيعيد فلسطين".

وعن حلمه بالعودة لفلسطين، يقول أبو عماد "عمري الآن 71 سنة وقد لا أعود للبلاد، الموت على الأبواب، لدي خمسة أولاد وبنتان، ثقتي بالله كبيرة أن يعودوا مع أحفادي إلى فلسطين، القضية دائما في قلوبنا ولا يمكن أن ننساها".

أما أبو مجاهد (45 عاما)، وهو من قرية العباسية بقضاء يافا ويسكن في مخيم النصر ولديه ولدان وبنتان، فيقول إنه لا ينتظر ذكرى النكبة لأنه يعيشها "في كل يوم وساعة وثانية".

ويتابع "النكبة ليست يوما في السنة بالنسبة لي، حياتنا كلها نكبات، فالعيش من دون وطن هو أكبر نكبة".

وبلهجة أقرب للتشاؤم يضيف أبو مجاهد "هناك حواجز كثيرة تمنعك من التفكير في المستقبل، حتى الطموح ممنوع علينا، لا أحلم بالعودة لأنه حق أورّثه لأولادي في كل يوم وساعة، العودة موجودة في قلبي وذاتي على مدى الحياة، ومثلما أطعم ابني لقمة الحلال أذكره دائما أن إقامتنا هنا إقامة مؤقتة".

العودة والتعويض
الشاب حمزة عبد الرؤوف (25 عاما) من بيت عطاب قضاء القدس قال إن ذكرى النكبة تمثل رمز عودة للفلسطينيين إلى أراضيهم.

وقال للجزيرة نت "النكبة حفرها الأجداد في عقول الأبناء والأحفاد، وهذه الذكرى تأتي في كل عام لتؤكد أن الأرض لا تباع ولا تشترى، وأنها ستتحرر مهما طال الزمن".

وعما إذا كان سيقبل بالتعويض بدلا من العودة، قال حمزة "لا تنازل ولا تعويض، ولا نقبل إلا بالعودة إلى الارض السليبة، مصرون على العودة".

ووجه حديثه للمفاوضين الفلسطينيين "أقول للمفاوض الفلسطيني كفاك عبثا، منذ عشرات السنين ومسلسل المفاوضات لم يؤد إلى أي نتيجة، أراضي الفلسطينيين تقضم في كل يوم وسط تزايد المستوطنات وتهديد المقدسات، الأرض التي أخذت بالسلاح والقوة لن تعود إلا بالسلاح والقوة".

وما يثير الانتباه أن أجيال اللاجئين الصغرى التي ولدت بعد انتفاضتي 1987 و2000 تبدو أكثر إيمانا بالعودة من الأجيال التي نزحت أو التي عاشت جولات الحروب العربية الإسرائيلية.

إذ تزخر تجمعات اللاجئين بنشاطات هؤلاء التي تذكر بفلسطين، في حين باتت مواقع التواصل الاجتماعي تقرب بين هؤلاء وقضيتهم التي ساعد انتشار وسائل الإعلام وتسارع نقل الأخبار في تفاعلهم معها وعيشهم مع قضيتهم يوما بعد يوم.

المصدر : الجزيرة