الحاجة أم نظمي ما زالت تحلم بالعودة إلى بلدتها الفالوجة التي هجّرت منها وعمرها 11 سنة (الجزيرة نت)


عوض الرجوب-الخليل

تتغلب المسنة الفلسطينية فاطمة رضوان عبد العزيز رمضان (أم نظمي) على مشاعرها الحزينة، لتعود بالذاكرة إلى صفحات ومشاهد مأساوية عاشتها عن قرب في بلدتها الأصلية الفالوجة، إبان النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني قبل 65 عاما، وما زالت آثارها حية إلى يومنا هذا.

لم تكن أم نظمي -التي تستقر في مدينة الخليل حاليا- تتجاوز الحادية عشرة من العمر عندما دقت ساعة الصفر وآن الرحيل، لكنها مع حداثة سنها حينئذ ذاقت مرارة القصف والقتل واللجوء، دون أن يتحقق أملها في العودة إلى سهول وخيرات ومياه بلدتها التي هجّرت منها.

تروي الأم المهجّرة للجزيرة نت بعض مشاهداتها المأساوية، دون أن تنسى بعض ذكريات أيام الطفولة الجميلة، وشيئا من بسالة الجيش المصري الذي حارب طويلا رغم الحصار دفاعا عن البلدة، لتنقلب الحال بعدها إلى دمار وقتل وخراب وتشريد.

أم نظمي روت لمراسل الجزيرة نت (يسار) ذكرياتها عن مشاهد قاسية ومحزنة من نكبة الفلسطينيين 1948 (الجزيرة نت)
مشاهد قاسية
تذكر أم نظمي جيدا مشاهد القتل، ومنها حادثة مقتل أسرة كاملة من عائلة رصرص تحت أنقاض منزلها بقصف الطائرات الإسرائيلية. وتذكر في حادثة أخرى أنها كانت مختبئة خلف جدار عندما أطلِقت النار على "يوسف" -نجل عمتها "آمنة" وابن مختار البلدة- الذي لم يكن يتجاوز الـ17 من عمره.

لكن المشهد الأصعب والأكثر إيلاما لأم نظمي هو أن والدة يوسف خرجت من بيتها تستصرخ الرجال لإسعافه قبل استشهاده، فأفزعها قصف الطائرات ولم تتمكن من العودة إلى بيتها لأخذ ابنها "فتحي" الذي لم يكن يتجاوز العام، فغادرت إلى غزة وتركته في سريره، لكن جدته تمكنت من العودة إليه وحملته معها إلى الضفة، حيث توفي بالحصبة قبل أن يبلغ العام أو يرى والدته.

وعن مشهد الخروج، تقول أم نظمي إن الجيش المصري لم يسمح بداية للسكان بالمغادرة، لكن اشتداد الحصار والقصف دفعه للتساهل في الأمر، فخرج الشبان والشابات تاركين بيوتهم مفتوحة على أمل العودة، وبقي كبار السن من الآباء والأجداد الذين أجبـِروا على اللحاق بهم تحت سطوة العصابات الصهيونية.

وتضيف أم نظمي "غادرنا سيرا على الأقدام نحو الدوايمة، وأقمنا ليلة في أحد الكهوف، ثم وصلنا خبر مجزرة الدوايمة، فغادرنا نحو بلدة إذنا غرب الخليل، ومن ثم انتقلنا إلى مخيم العروب، ومنه إلى مدينة أريحا، ومن ثم كانت العودة والاستقرار في مخيم العروب، حيث طالت الإقامة إلى يومنا هذا".

وتسرد المسنة الفلسطينية بين الحين والآخر بعض قصص الفالوجة وسكانها لأبنائها وأحفادها وقد أصبحوا بالعشرات، وكلها ثقة بأن يحمل أبناؤها الأمانة، وأن يتحقق لها أو لهم على الأقل حلم العودة الذي طال انتظاره.
أم نظمي تحمّل ابنها نزار (يمين) وحفيدها عبد الرحمن أمانة التمسك بحق العودة (الجزيرة نت)

حمل ثقيل
وبدوره، يعاهد عضو المجلس التشريعي النائب نزار رمضان والدته أم نظمي على حمل الأمانة، وعدم التفريط في حق العودة أو أي ذرة رمل من أرض الوطن المباركة، مضيفا أن مسؤوليته كسياسي أثقل وأشد.

وأضاف رمضان في حديثه للجزيرة نت أن الآباء والأجداد تركوا لأبنائهم إرثا وحملا ثقيلا، مشددا على أن مغادرتهم للأرض قهرا "لا تعطي مبررا لأي مسؤول بأن يتنازل عن تلك الأراضي، أو يسعى لمبادلتها حتى لو كان ذلك بالذهب.. فهي أغلى من الذهب، وسنظل نذكر تلك المدن والبلدات المهجرة ونتوق إليها".

وشدد السياسي الفلسطيني على أن "الملايين من الفلسطينيين الذين هُجّروا لن يغفروا ولن يرحموا أي مسؤول أو زعيم يوقع أو يتنازل عن تلك الدرة الثمينة من الوطن الغالي فلسطين"، مؤكدا أن الحفاظ على حق العودة "حفاظ على الأجيال، وصون للأمانة التي حمّلنا إياها آباؤنا وأجدانا..، وعار علينا أن نخون الأمانة".

ولم يخف النائب رمضان قلقه من وجود "مؤامرة على اللاجئين في مخيماتهم"، مشيرا إلى "أساليب ممنهجة لتهجيرهم مرة أخرى من مخيماتهم حتى ينتهي ويُلغى أي أثر للنكبة"، وذكر من الأساليب "مشاريع التوطين.. التي بعضها غربي أو عربي أو حتى فلسطيني".

المصدر : الجزيرة