فريس يرى أن الإسلام يعوض الفراغ الروحي الذي يعانية الغرب بعد تراجع الكنيسة (الجزيرة)

نصر الدين الدجبي-أمستردام

"كنت أحس بفراغ روحي لم تملأه لي العائلة التي هجرت الأديان، ولا الكنيسة الإصلاحية الكالفينية التي انحدرت منها، ولا الموسيقى التي اشتهرت بها، ولكن انفتاحي على ثقافات أخرى، والتعامل الاجتماعي المتسامح، وتكشف حيرة روحية وغيبية كنت أفتقدها في المسيحية، هو ما دفعني لأن أكون مسلما". هكذا يقول الشيخ رفيق أحمد فريس وهو واحد من أوائل المسلمين الجدد في هولندا في حديث للجزيرة نت.

رولف فريس الذي أصبح يلقب بالشيخ رفيق أحمد فريس البالغ من العمر 73 عاما، من عائلة إصلاحية كالفينية هجرت الكنيسة ولم تعد تعبأ بالدين كما هو حال نحو 70% من الهولنديين. اعتنق الإسلام منذ كان شابا، يجلس إلى الصوفية والسلفية، كما أنه مستشار لدى مؤسسات الحكومة والأقليات.

الجزيرة نت التقت بفريس على هامش الملتقى الوطني للمسلمين الجدد الذي يعقد كل عام في هولندا، حيث يتبادل المسلمون الهولنديون القدامى تجاربهم مع الهولنديين حديثي العهد بالإسلام.

سألناه عن أول علاقة له بالإسلام، فقال فريس إنه كان يعيش عالم الموسيقى الصاخب في جنوب أفريقيا، وتعرف على فرقة موسيقية لمسلمين مناهضين للعنصرية، مضيفا "أحسست أنهم لبوا لي حاجة روحية وأنا المُلهَم بعالم الموسيقى".

ملتقى المسمين الجدد بالمسجد الأزرق بأمستردام (الجزيرة)

حسن المعاملة
ويشير فريس إلى أن المعاملة الحسنة التي لقيها في كل دولة إسلامية زارها في الستينيات هو ما دفعه للبحث والتعرف عن الإسلام أكثر، ومن ثم اعتناقه. وتابع "وصلت في ليلة متأخرا إلى القاهرة ولم أجد مأوى فأرشدني أحدهم إلى مسجد مجاور دخلت هناك ونمت ولم يسألني أحد: أمسلم أنت أم كافر؟ هل تصلي أم لا؟ بل يسعى الجميع لتقديم الخدمات لي".

ويتحدث فريس عن رحلته مع الإسلام حيث يقول إنه بعد اعتناقه الإسلام مكث خلال فترة السبعينيات بين معاهد وجامعات العالم الإسلامي يدرس الإسلام وعلومه متنقلا من فاس إلى القاهرة ومكة المكرمة والمدينة حتى أصبح يلقب بالشيخ.

ويواصل الشيخ فريس قصته مع الإسلام حيث عاد إلى هولندا ووجد وفودا في آخر السبعينيات من العمال المسلمين قد وصلت هولندا، ويقول "لأني خبرت المسلمين في دولهم، فلم أجد أي صعوبة في التواصل معهم وفتح الطريق لهم في التأسيس والتوطين للإسلام في هولندا بالانطلاق ببناء المساجد وإحداث الهيئات الممثلة لهم".

ويروي فريس أنه في بداية مسيرة الإسلام في هولندا، لم يكن الهولنديون يعبؤون كثيرا لكلمة إسلام ومسلمين، لأنهم كانوا مجرد أقلية من العمال ليست محل اهتمام الساسة والإعلاميين.

احتفالية للمسلمين الجدد في هولندا (الجزيرة)

الإسلام كبديل
ورغم حالة التشويه الممنهجة أحيانا والعفوية في أحيان أخرى للإسلام والصورة النمطية السيئة التي علقت بالمسلمين، فإن فريس لم يقلل من إقبال الأوربيين على الإسلام، وأرجع ذلك إلى ابتعاد الكنيسة عن حياة الناس في مقابل تزايد ارتباط المسلمين بالمساجد، وهو ما يمثل بديلا للفراغ الروحي الذي يعيشه كثير من الهولنديين والغربيين.

ولفت فريس إلى أن الصورة النمطية التي يكرسها الإعلام اليوم عن الإسلام حديثة عهد ومردها إلى أحداث شهدها العالم في بداية هذه الألفية، ومنها أحداث سبتمبر في أميركا ومقتل المخرج الهولندي فان غوخ وغيرها من أحداث أسهمت في الانتقال من التأسيس للإسلام في أوروبا بطريقة طبيعية إلى حالة من التوتر يقودها الإعلام والساسة اليمينيين.

وعمل فريس إماما لمسجد ناطق بالهولندية، ومشرفا على قسم الإرشاد في جامعة روتردام الإسلامية، ومستشارا في البلدية، مما أهله للقيام بدور مهم في التوجيه وإيصال ما يراه رسالة الإسلام المفقودة التي يحتاجها الأوربيون. ويرى أن "الاعتناء بالجانب الروحي وإبراز الجانب الإنساني للإسلام هو المدخل الذي أصبحنا نفتقده في رسالة الإسلام إلى الغربيين".

وأشار فريس إلى ما يراه خللا في ممارسات بعض المسلمين، مما يجعلهم يسهمون بطريقة غير مقصودة في تشويه صورة الإسلام، قائلا إن هناك "أخطاء كثيرة تنبع من قلة الوعي وعدم وصول رسالة الإسلام الحقيقية إلى المسلمين أنفسهم، فتتم باسم الدين أحيانا سرقات وجرائم وسلوكيات غير سوية تسهم بدورها في إيصال رسالة خاطئة عن الإسلام للهولنديين".

ودلل فريس على ذلك بتمسك بعض المسلمين بالجزئيات وترك الرسالة الأصلية، قائلا "النقاب في بعض الدول العربية يلبس بهدف تجنب الفتنة ولكن التشبث به في الغرب مجلب للفتنة". موضحا أن النقاب مثير لحفيظة الغربيين ومصدر خوف ويعتقدون أنه تهديد لهويتهم.

المصدر : الجزيرة