الشيخان الرافعي (يسار) والأسير أفتيا بالجهاد لنصرة "المظلومين" في سوريا (الجزيرة)

عندما يُتهم حزب الله بالمشاركة في القتال بسوريا إلى جانب النظام، ويُفتي شيخان سنّيان بالجهاد في سوريا للدفاع عن "إخوانهم المظلومين هناك"، يكون لبنان قد دخل فعلا -لا قولا- في الأزمة السورية، وامتد الحريق لبلد يعيش توترا أمنيا منذ اندلاع الثورة السورية.

أحد الشيخين اللذينْ دعوَا للجهاد في سوريا هو عضو هيئة علماء المسلمين في لبنان سالم الرافعي، وشرح للجزيرة نت كيف أن "حزب الله لا يريد مبررات لجر لبنان إلى الفتنة، وخصوصا بعد غزوته لبيروت في 7 مايو/أيار 2008"، وأضاف إن " كان حزب الله -الذي يقتل المظلومين ويغتصب النساء- يُبرر تدخله في سوريا بالدفاع عن المقامات الدينية نستطيع الدعوة لإنشاء لواء "عمر بن الخطاب"  للدفاع عن مسجد خالد بن الوليد في حمص".

وأوضح أن مفهوم درء الفتنة عند تيار المستقبل هو "البقاء على قيد الحياة، حتى لو قُتلنا وانتهكت كرامتنا"، وأضاف أن غياب زعيم التيار سعد الحريري عن البلاد يعود لخوفه من أن "يقتله الحزب"، وأكد أن تيار المستقبل يكيل الانتقادات للفتاوى دون إعطاء البدائل لحماية "سنة لبنان وسوريا من الذبح والقتل".

واعتبر أن فتواه أبعدت الفتنة عن لبنان، لأن "الجيش الحر اعتقل شبانا من طرابلس ينتمون للحزب القومي السوري يقاتلون إلى جانب حزب الله، ولو انتشر هذا الخبر في لبنان لجرت مواجهات بين أبناء طرابلس والحزب القومي السوري"، وأضاف أنه طلب ممن يريدون القتال الذهاب لسوريا ومقاتلة النظام وحزب الله هناك، بدلا من اندلاع الفتنة في لبنان.

وأوضح أن الكثير من شباب طرابلس يقاتلون في سوريا دون فتوى من أي شيخ، "وكنا في السابق نحرم هذا القتال، لأن الثوار ليسوا بحاجة لمقاتلين ولم يكن الوضع حرجا، ولكن الآن وبعد إلقاء حزب الله بثقله في الأزمة السورية أعطينا هذه الرخصة الشرعية لمن يريد القتال".

وأكد أن ترجمة الفتوى ستظهر على الأرض قريبا جدا، وربط سحب الفتوى "بعودة آخر عنصر من الحزب يقاتل في سوريا".

 قصير: من يريد القتال وتشكيل مجموعات وإرسالها لسوريا لا يعلن عنها (الجزيرة)

فقاعات هواء
الفتويان وصفهما المحلل السياسي قاسم قصير "بفقاعات هواء، ومواقف إعلامية قد يتأثر بها بعض الشباب بشكل محدود"، لكن لن يكون لها تأثير على أرض الواقع، لا في صيدا ولا طرابلس. وأضاف أن "من يريد القتال وتشكيل مجموعات وإرسالها لسوريا لا يعلن عنها لأنه سيُسلط الضوء عليه".

واستبعد أن تؤدي هذه الفتاوى إلى اشتباكات على الأرض لأنه ليس هناك "خطوط تماس بين المناطق التي يقطنها الشيخان والتجمعات الشيعية".

وأوضح أن دعوة الشيخ أحمد الأسير لتأسيس "كتائب المقاومة الحرة" ليست الأولى، وهذه الدعوات مرفوضة حتى من أبناء مدينته صيدا، وتوقع عدم تفجر الوضع في لبنان لوجود قرار دولي بحصر الانفجار في سوريا دون نقله للبنان، والدليل أن الحوادث الأمنية المتكررة لم تفجر الوضع.

في السياق ذاته يؤكد الكاتب محمد عبيد أن هذه الفتاوى لا تمكن ترجمتها على أرض الواقع، لسببين: الأول سيطرة الجيش السوري النظامي على المنطقة الحدودية، ومنع تسرب المسلحين للداخل وخصوصا من مدينتي عرسال وطرابلس، والثاني عدم وجود أرضية لهذه الدعوات عند الطائفة السنية، التين تميل الأغلبية الساحقة منها لعدم التورط في الشأن السوري.

ووصف عبيد مصدري هذه الفتاوى "بموتورين يستخدمون الدين كغطاء"، وأكد أن الحالة السنية السياسية التي يمثلها تيار المستقبل ترفض هذه الدعوات. ورغم استبعاده أي مواجهة في الداخل، لإغنه استدرك قائلا "إذا بدأ استخدام السيارات المفخخة والهجمات الانتحارية نكون قد دخلنا في مرحلة أخرى من المواجهة بين المقاومة والمجموعات التكفيرية".

أما النائب السابق عن مدينة صيدا أسامة سعد فيرى أن "سوق الفتاوى رائج في هذه الأيام للجهاد ضد الإخوة في سوريا، ونتناسى الأعداء في فلسطين المحتلة"، وأدرج هذه الفتاوى في خانة إثارة الفوضى من التيار السلفي التكفيري الإقصائي في البلدان العربية".

وأضاف أن طلب الأسير تأسيس مجموعات سرّية دعوة صريحة "للصدام الأهلي". وخلص سعد إلى أن هناك أعدادا قليلة من المؤيدين للأسير مستعدة لتلبية دعوته للجهاد، ودخول هذا العدد "لن يغير في الصراع السوري"، واتهم دولا عربية "كقطر والسعودية بتقديم الدعم المادي والسياسي والإعلامي والأمني لحالات سلفية كالأسير".

علوش: تيار المستقبل لن ينجر لهذه الدعوات "الشعبوية" لأنها تضر الثورة السورية بدل أن تنفعها (الجزيرة)

دعوات عشوائية
في المقابل، يرى الكاتب محمد سلام أن "في سوريا 16 قرية ومدينة سورية يقطنها لبنانيون سنة، وهذه الدعوات للجهاد هي للدفاع عنهم كما يدافع حزب الله عن القرى التي يقطنها لبنانيون شيعة".

وأضاف أن "السنة في لبنان يشعرون بأنهم مستهدفون من إيران وحزب الله". وأشار إلى أن الدولة اللبنانية لا تتحرك لوقف قصف النظام لبلدات ومدن لبنانية منذ أكثر من سنة.

أما نائب مدينة طرابلس عن تيار المستقبل أحمد فتفت فجدد رفض تياره لهذه الدعوات والفتاوى واعتبر أنها تتلاقى مع مساعي حزب الله ونظام الأسد لجر لبنان "لأتون الحرب الأهلية بسوريا"، وأضاف أن هذه الدعوات تشكل وقودا لحريق وفتنة في لبنان يريدها الحزب.

وأوضح أن موقف التيار منسجم مع ما أكده الجيش الحر بعدم حاجته للرجال ورفضه تدخل اللبنانيين في الأزمة. وكشف عن محاولة أطراف لبنانية الطلب من الحزب سحب مقاتليه في سوريا فكان الجواب "نحن لا نقاتل بسوريا".

في نفس السياق يقول منسق تيار المستقبل في الشمال مصطفى علوش إن هذه الدعوات للجهاد عشوائية وغير منظمة ولا منسقة، ويمكن أن تودي "بأبناء الطائفة" إلى التهلكة، كما حصل سابقا في حادثة عشوائية في تلكلخ.

ولفت إلى أن تيار المستقبل لن ينجر لهذه الدعوات "الشعبوية" لأنها تضرالثورة السورية بدل أن تفيدها، وأوضح أن الشيخ الأسير "يبحث عن موقع له في المشهد اللبناني عبر هذه الدعوات والمواقف التي تعطي الأسد مبررا ليقول إنه يقاتل متطرفين".

ولم يكن النائب وليد جنبلاط بعيدا عن مواقف تيار المستقبل، إذ اعتبر أن "الشعب السوري ليس بحاجة لجهاديين من لبنان أو الخارج"، وأضاف أن "انغماس بندقيّة المقاومة في غير محلها من شأنه أن يشوّه مسيرتها النضالية".

المصدر : الجزيرة