شكلت مذبحة دير ياسين عاملا في تهجير الفلسطينيين وبداية النكبة (الجزيرة نت)

وديع عواودة-حيفا


يتفق مؤرخون فلسطينيون على أن عشرات المجازر الصهيونية بحق المدنيين قد ساهمت في تهجير الفلسطينيين من وطنهم خلال أحداث نكبة 1948، دون أن تصدر تعليمات مكتوبة من القيادة العامة للقوة المهاجمة.

حول ذلك يوضح المؤرخ د. صالح عبد الجواد -المحاضر في جامعة بير زيت- أنه في المناخ المعادي الذي خلقته الحركة الصهيونية ضد عرب فلسطين لم تكن هناك حاجة لإصدار أوامر بطرد الفلسطينيين.

وينوه بأن "الرغبة الصامتة" لدى القوات العسكرية بطرد الفلسطينيين تكفلت بتنفيذ كل ما لا يحتاج إلى أن يكتب، أو حتى يقال، خشية اطلاع الرأي العام الغربي على ما يعتبر بعرف القانون الدولي جريمة حرب.

ويدلل على ذلك بالإشارة لتهجير سكان مدينتي اللد والرملة في تموز/يوليو 48 يوم كرّر قائد "البلماح" إيغال ألون سؤالا لقائد الهغاناه دافيد بن غوريون ماذا نفعل بالسكان؟ فرد بن غوريون بأن طوّح بيده بطريقة يفهم منها "اطردوهم"، وفقا لما ورد في مذكرات إسحق رابين, وهو أحد رؤساء حكومات إسرائيل لاحقا.

مصطفى كبها: إسرائيل واصلت اقتراف المجازر التي اقترفتها العصابات الصهيونية بعد قيامها (الجزيرة)

من جانبه، يشدّد المؤرخ المختص بالتاريخ الفلسطيني البروفسور مصطفى كبها على تكرار هذه "الوسائل الناجعة" في مختلف أرجاء فلسطين.

أحداث حاسمة
ويوضح أن نيسان/أبريل 48 شهد أحداثا حاسمة، ضربت معنويات الفلسطينيين.

ويعتبر -كبقية المؤرخين- أن الفظائع التي ارتكبت في دير ياسين بالتاسع من الشهر المذكور كانت مؤثرة.

ويتابع "وجدنا مجزرة  دير ياسين -التي اقترفت بالتاسع من نيسان- في وعي الفلسطينيين بكل البلاد، لا في حيفا فقط". ويوضح كبها -أيضا- أن الصهيونية استخدمت المجازر للانتقام من كل من عادى المشروع الصهيوني في فترة الانتداب.

ويدلل كبها على مسؤولية إسرائيل عن هذه المجازر بأنها هي -وليست منظمات "إيتسل" و"ليحي" أو "هغاناه"- التي ارتكبت مذابح كثيرة بعد قيامها كدولة في منتصف مايو/أيار.

ويستذكر مجازر في اللد، والطنطورة، وعيلوط، وعيلبون، وعين غزال، ومجد الكروم وغيرها. وهذا ما يؤكده  المؤرخ د. عادل مناع بدوره، مكررا ما قاله زملاؤه المؤرخون بأن ذلك تم بتعليمات شفوية، وبقرارات ميدانية.

منهجية المجازر
ويتفق هؤلاء على أن قتل خمسة أشخاص عزل معا يعني مجزرة، وعلى أن الصهيونية اقترفت عشرات المجازر في فلسطين، واستمرت في فعل ذلك بعد قيامها بسنوات، كمجزرة كفر قاسم في 1956 وتكررت في 1967 وبعدها.

ويشير مناع إلى أنه حتى الآن لم يعثر المؤرخون على وثيقة تتضمن تعليمات بارتكاب المجازر، ولا يستبعد أن تكون هذه ما زالت طي الكتمان. ويلفت النظر -أيضا- إلى أن إسرائيل لم تقدم للمحاكمة ولو جنديا واحدا، مما يعكس رغبتها وتأييدها للمجازر التي اقترفت قبل وبعد قيامها في مايو/أيار 48.

وينوه الدكتور مناع بأن قائد "البلماح" -القوة الضاربة التابعة لمنظمة الهغاناه- قد اقترح على رئيسها دافيد بن غوريون تشكيل محكمة لمقاضاة المتورطين في مجازر، لئلا تتهم الصهيونية كلها بذلك، لكن وعود الأخير بإقامتها ظلت حبرا على ورق.

ويوضح مناع أن الصهيونية استنكفت عن المذابح بعيد مذبحة دهمش في اللد نتيجة احتجاجات عالمية، لكنها استأنفتها في خريف 1948 خلال استكمال احتلال الجليل.

وتعزّز شهادات شفوية دونتها قبل شهور منظمة "زوخروت" الإسرائيلية (تعنى بتعميم الرواية التاريخية الفلسطينية على اليهود) مصداقية الرواية الشفوية الفلسطينية التاريخية.

عادل مناع: المجازر توقفت بعد مذبحة دهمش (الجزيرة)

ضمن هذه الاعترافات المسجلة بالصوت والصورة، يعترف يرحامئيل كهنوفيتش(83) في شهادته أنه هو الذي اقترف مذبحة مسجد دهمش، ويكشف أن القيادة العسكرية دعته لإنجاز ما كان "يتقن فعله".

ويتابع "توجهت للمسجد، وأخذت استرق السمع والنظر بعدما فتحت باب المسجد برفق وهدوء، وأطلقت صاروخا من نوع "فيات" نحو العشرات ممن احتموا بالمسجد، فتطايرت الجثث والتصقت بالجدران لشدة الانفجار".

زوخروت
وساهم المؤرخون الإسرائيليون الجدد في الكشف عن المخططات الصهيونية الحقيقية، استنادا لأرشيفات واعترافات.

ويوضح المؤرخ الدكتور إيلان بابه أن شهادات "زوخروت" تؤكد ما ورد في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" الذي يستند لأرشيفات رسمية، وينسف الرواية الإسرائيلية الرسمية، ويشدّد على أن الصهيونية خططّتّ جيدا ومبكّرا لطرد الفلسطينيين، بالترويع وقتل المدنيين، وارتكاب عشرات المجازر، مما أدى لنشوب حرب 48 وليس العكس.

المصدر : الجزيرة