الجامع الأموي تحول إلى منطقة عسكرية وأدت المواجهات إلى خراب كبير فيه (الجزيرة نت)

الجزيرة نت-خاص

تحولت المدينة القديمة في حلب منذ دخول الثوار إليها في يوليو/تموز 2012 إلى ساحة اشتباكات تمتد بين الأسواق والخانات والمعالم التاريخية, حرب بأسلحة حديثة تتم داخل التاريخ, في مفارقة لعلاقة الأصالة بالمعاصرة لا يمكن لغير الحرب أن تظهر نتائجها بهذا الوضوح المرافق لمساحات الدمار.

وحلب القديمة مدينة من تسع بوابات بنصف قطر خمسة كيلومترات, هي إحدى أقدم المدن المأهولة في العالم والتي استمرت تمارس وظيفتها مدينة منذ أكثر من 7000 عام.

وتمثل معالم المدينة وآثارها القائمة معرضا تاريخيا للحضارات التي تعاقبت عليها، يمتد من العثمانيين إلى أكثر من 4000 عام قبل الميلاد, وإن كانت معالمها الأهم التي تشكل طابعها التخطيطي تعود لزمن المماليك الذين أنشؤوا الأسواق الملتفة لغايات اقتصادية وعسكرية، دون أن يعرفوا أن حربا بأسلحة أعنف كثيرا مما تخوفوه ستكون هذه الأسواق نفسها جبهتها المفتوحة لأشهر طويلة.

أهمية رمزية
كانت الأهمية الرمزية لحلب القديمة باعتبارها تمثل هوية المدينة وامتدادها الحضاري في التاريخ مقدمة على الأهمية العسكرية للمكان, فالسيطرة على الماضي توحي بامتلاك الحاضر, تمثل قلعة حلب (تثبت الحفريات أن تاريخها يعود إلى الألف الأول قبل الميلاد) والمسجد الأموي (86هـ) أهم المعالم التاريخية في المدينة.

 قلعة حلب تحولت إلى كتيبة للقناصة بسبب موقعها المشرف على المدينة (الجزيرة نت)

هاجم الثوار قلعة حلب بعد أن حولها النظام لموقع عسكري يتمركز عليه عشرات القناصة, وفجر باب القلعة الأثري, لكن النظام استعاد سيطرته عليها, وبسبب إشرافها على المدينة ما زالت -إضافة لموقع الإذاعة- تشكل أهمية إستراتيجية للقناصة كافية لمنع جزء كبير من سكان المدينة أن يظهروا على سطوح المنازل خشية الموت.

أما الجامع الأموي الكبير, مركز المدينة الذي تنتهي إليه الأسواق ورمزها الديني الأهم, والذي يعود بناؤه للخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (96هـ), فقد استعاد الثوار سيطرتهم عليه قبل حوالي الشهر, ولا يمكن الوصول إلى الجامع إلا عبر ركام الأسواق المحيطة -التي كانت أشهر أسواق المدينة بسبب قربها من الجامع- قبل أن تنهب وتحرق ثم يدمرها القصف.

واستخدم النظام الجامع ثكنة عسكرية، إذ تمركز القناصة على مئذنته وتسبب الجنود المتحصنون فيه بقتل العشرات من الثوار والمدنيين, وبعد سيطرة الثوار عليه قصفت مئذنته وتضررت أجزاء كبيرة من زخارفه وعناصره المعمارية, وأحرقت نسبة كبيرة من محتويات المكتبة الوقفية, عدا ما نهب من الآثار في معالم المدينة المختلفة.

ومن أهم المعالم التي تضررت في المدينة خان الوزير 1093هـ(دمار شبه كامل), وخان الشونة 951هـ (حريق كبير), والبيمارستان الأرغوني 755هـ, وحمام نعيم, وجامع الأطروش 801هـ, والمدرسة العثمانيّة 1141هـ, وجامع العادلية 963هـ, وسوق إسطنبول 1304 هـ, وخان الجلبي 1338هـ, وجامع الكمالية, وسوق المدينة, وسوق العطارين, وساحة الحطب, وسوق الزهراوي وجادة الخندق.

المهندس يوسف موسى يعمل على مشروع للترميم الإسعافي في حلب القديمة (الجزيرة نت)

ترميم إسعافي
يعمل الناشط والمهندس المعماري يوسف موسى على تأسيس مشروع لما يسميه الترميم الإسعافي لآثار ومعالم حلب القديمة, وهو "مشروع لتوثيق الدمار والخراب الحاصل في حلب القديمة بشكل منهجي ومنظم, طرحه طلاب هندسة معمارية وآثار، وبدأ التنسيق بشأنه مع جمعيات وهيئات سورية وعالمية لأجل تنظيم دورات لتدريب الشباب العاملين في المشروع على أسلوب التوثيق والترميم الإسعافي".

وحسب يوسف، فإن أهمية المشروع  تكمن في أن حلب القديمة مدينة عمرها أكثر من عشرة آلاف سنة, وهي ليست حجارة فقط، بل حجارة تحمل أرواح كثير من البشر, وحتى لا تفقد المدينة هويتها, كان يجب طرح مشروع كهذا, للحفاظ على ما تبقى من الوثائق والمخطوطات والأبنية, التي لا تحتمل مناظر تهدمها.

المصدر : الجزيرة