أجيال دير ياسين يتوارثون حكاية قريتهم المنكوبة (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

في الذكرى الـ65 لمذبحة قريتها (دير ياسين)، تجتمع الفلسطينية التسعينية فاطمة حميد بأقاربها الذين ولدوا وكبروا في شتات قريب أو بعيد، وقد حملوا جميعا ذاكرة القتل الجماعي على يد العصابات الصهيونية، كما حملت هي مشهد قتل زوجها وعمها المقاومين، وهروبها ذات ليلة.

كانت فاطمة في مطلع الثلاثينيات من عمرها وقت المذبحة، وتعيش مع زوجها منصور عبد العزيز الذي التحق مع عمها محمد حميد بالمقاتلين إلى جانب قائد معركة القسطل عبد القادر الحسيني، عندما اشتد العداء مع الصهاينة قبيل النكبة بأيام.

وفي "ليلة المذبحة" -9 حزيران عام 1948-، تقول فاطمة، "سمعنا صوت قنابل وانفجارات، ثم صوت عمي محمد يصرخ بي من بيت مجاور وسط القرية "اهربي.. اهربي، راحت البلد.. تركت زوجي مصابا ينزف بدمه وزحفنا أطفالا ونساء حتى وصلنا منطقة عين كارم القريبة".

بعد أيام قليلة، عرفت فاطمة أن زوجها استشهد، وكذلك أعمامها محمد وعبد الله حميد، وتقول "ولما أحضر الصليب الأحمر الجثث والأسرى إلى منطقة الدباغة بالقدس "عرفنا الحي من الميت، ومن يومها تفرقنا".

فاطمة حميد فقدت زوجها وعمها في المذبحة (الجزيرة)

مذبحة وبطولة
وفي اجتماعها السنوي بأهالي القرية، ارتدت فاطمة ثوب نساء دير ياسين المطرز بقبة مربعة على الصدر، وإلى جانبها نجلاء ابنة شقيقها، التي روت رفض جدها خميس حميد حتى وفاته قبل سنوات قليلة، عروضا بملايين الدولارات من مستوطنين إسرائيليين مقابل بيعه لأرضه المصادرة في دير ياسين.

وفي إحياء الذكرى، أعاد الكبار رواية حكاية "المذبحة والبطولة" عن دير ياسين التي شكل ذبح سكانها بطرق بشعة على أيدي عصابات الأرغون والشتيرن والبالماخ الصهيونية عاملا هاما في تهجير المناطق الفلسطينية المجاورة هربا من القتل، تمهيدا لاحتلال القدس.

وتؤرخ دراسة أعدتها مؤسسة إبداع الفلسطينية للأبحاث والنشر عن مذبحة دير ياسين، حيث اشتعلت الأحداث بين العرب واليهود بحلول ربيع 1948 عندما هاجم جيش التحرير العربي المؤلف من الفلسطينيين ومتطوعين عرب بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني الطرق الرابطة بين المستوطنات اليهودية وتمكن من قطع الطريق الرئيس بين مدينة تل أبيب وغرب القدس مما ترك 16% من اليهود في فلسطين في حالة حصار.

وإثر ذلك، قرر اليهود تشكيل هجوم مضاد، فهاجمت العصابات الصهيونية قرية دير ياسين آخذة بعين الاعتبار أن السيطرة عليها سترفع الروح المعنوية اليهودية بعد خيبة الأمل من التقدم العربي على الطرق الرئيسية، وارتكبت مذبحة لم تنس في التاريخ الفلسطيني.

الأوامر الصهيونية كانت بقتل كل هدف يتحرك، لذلك كان معظم القتلى من النساء والشيوخ والأطفال الذين حاولوا الهرب أو أعدموا في منازلهم

ضحايا
ويروي رئيس رابطة أهالي دير ياسين مصطفى محمد حميدة كيف هاجم اليهود قريتهم الساعة الثانية ليلا من كل الجهات ما عدا الغربية، التي تركت بابا لهرب الناجين من الموت باتجاه بلدة عين كارم المجاورة.

لكن حميدة -الذي كان في الثامنة من عمره وقتها- يقول "لم يرع اليهودي في أهالي القرية لا امرأة ولا صغيرا ولا كبيرا، وفاق عدد القتلى 300 غالبيتهم من الشيوخ والأطفال والنساء، بينهم أخواله". ويضيف "في تلك الليلة حاولنا الاحتماء ببيوتنا، وأغلقت أمي على صغارها وراحت تشدنا قربها.. لكن اليهود كانوا يقتحمون المنازل ويقتلون السكان إما بالرشاشات أو القنابل، فهربنا ليلا زاحفين في التلال باتجاه القدس".

وحسب الرجل، فإن من هرب هم كبار السن والنساء والأطفال فقط، وبقي الرجال والشبان يقاتلون، حتى إن اليهود فوجئوا عندما قتل منهم في بداية الهجوم أربعة وجرح 37 فاستعانوا بعصابة "الهاغاناه" التي مهدت لهم الطريق بالمدفعية، ثم استعانوا بالطائرة حتى تمكنوا من احتلال القرية.

وتذكر كثير من المصادر أن الأوامر كانت أن يقتلوا كل هدف يتحرك، لذلك كان معظم القتلى من النساء والشيوخ والأطفال الذين حاولوا الهرب أو أعدموا في منازلهم، بالإضافة للأسرى الذين قتلوا بدم بارد.

ويذكر حميدة اعترافا لضابط إسرائيلي أشرف على القتل يدعى مئير باعيل بعد 24 عاما على المجزرة، قال فيه إن أسرى دير ياسين أخذوا إلى منطقة محصورة بين مستعمرة "جفعات شاؤول" ومنطقة الكسارات، وقتلوها جميعا رميا بالرصاص ثم ألقوا جثثا هناك ولم يدفنوا في مقابر.

وفي عمر السبعين، لا يزال حميدة على قناعة بحتمية استعادة قريته وفلسطين الضائعة، "مهما طال الزمن سنعود إلى قرانا وليعودوا هم إلى حيث أتوا أيضا.. لم نخرج من بلادنا طوعا بل مقاومين، ولذلك سنعود".

مصطفى وعلي الياسيني يحيون ذكرى مذبحة دير ياسين (الجزيرة)

طافوا بهم وقتلوهم
أما الحاج سمير عبد العزيز (58 سنة)، فقد ولد في الجيل الثاني بعد المذبحة، لكنه وثق روايات والده وعائلته عنها، فبينما كان والده يقاتل بمعركة القسطل، أخذت والدته أسيرة مع خالاته ومجموعة من النسوة وطافوا بهن هائمات على وجوههن بين المستعمرات بعد أن قطعن عن أطفالهن إلى أن وصلن الصليب الأحمر.

وتتفق هذه الرواية مع ما ذكرته المصادر الرسمية حيث اقتيدت النساء، ومن ثم 25 من الرجال الأحياء في حافلات ليطوف عناصر العصابات الصهيونية بهم داخل القدس "طواف النصر على غرار الجيوش الرومانية القديمة"، قبل إعدامهم رميا بالرصاص وإلقاء الجثث في بئر القرية.

ولا ينسى عبد العزيز التذكير بأن دير ياسين لم تسقط بلا قتال، وقد سجل عن والده حقيقة عدد القتلى، ففي حين أعلن الاحتلال أن 353 من أبناء دير ياسين قتلوا، كان الأهالي يميزون 106 فقط من بينهم، والباقي من المستعربين اليهود.

ومع صغار كثر تجمعوا لإحياء الذكرى رافعين مقولة "دير ياسين بداية الوجع الفلسطيني"، يذكر الجميع هنا حكاية الحاجة أم صلاح التي فقدت كل عائلتها، وكذلك قصة حلوة زيدان التي كانت تسعف الجرحى وقتلت من قرب وهي ترتدي شارة الصليب الأحمر.

ويتناقل الأهالي بعد 65 عاما صور القرية، لكنهم جميعا لا يتمكنون من وصولها، حيث أقيم على أراضيهم مستشفى إسرائيلي للأمراض العقلية واستخدم ما تبقى من منازلهم مخازن للمستوطنين.

ورغم الألم الذي يحدثه اسم دير ياسين في الذاكرة الفلسطينية، يحلم الصبيان مصطفى وعلي الياسيني بالعودة إلى قرية "التلال الخضراء" وهما اللذان لم يشاهداها يوما إلا مرورا من طريق مجاور.

المصدر : الجزيرة