أم إياد تقضي جل أيامها بين السجون في زيارة أبنائها المعتقلين (الجزيرة)

عاطف دغلس-نابلس

بين مجدو والنقب وريمون وبئر السبع ونفحة والدامون وغيرها من سجون الاحتلال، تنقلت الفلسطينية عبلة صلاح (أم إياد). ليست أسيرة، لكنها أم لأسرى دأب الاحتلال على اعتقالهم منذ انطلاق انتفاضة الأقصى عام 2000 ولم يتوقف حتى اللحظة.

وعبلة هي أم لعشرة من الأبناء الذكور لم تغب عتمة السجن وظلم السجّان عن أحدهم، فكلهم ذاقوا مرارة الأسر، حتى إن بعضهم اعتقل أكثر من مرة، وآخرين عُذّبوا وطردوا، ولا يزال بعضهم يقبع داخل المعتقلات.

الجزيرة نت، حاولت الإلمام بجوانب بسيطة من مأساة هذه العائلة، علها تخفف عنها شيئا من حزن لم ينقطع وفرحة لم تكتمل ولو ليوم منذ 13 عاما.

تقول أم إياد، التي تنحدر من قرية برقة شمال مدينة نابلس، إن ابنها مهند محكوم بالسجن عشر سنوات، أما منجد وعمار فيقضيان أحكاما متفاوتة، فيما يواصل شقيقهم الرابع منقذ حضور جلسات محاكمته بعد إفراج الاحتلال عنه مؤخرا بكفالة مالية بلغت نحو خمسة آلاف دولار.

ويشير منقذ (21 عاما) إلى أنه منذ لحظة تحرره قبل ثلاثة أشهر يواصل زياراته لمحاكم الاحتلال مرة كل شهر، مضيفا "إن لم أحضر، فالسجن ومصادرة مبلغ الكفالة".

إرهاب الاقتحام
وليس هذا سوى عقابا واحدا من جملة منغصات تفرضها سلطات الاحتلال، فالأم المكلومة طافت بمعاناتها أرجاء السجون، وعانت مضايقات الاحتلال قبل الزيارة وأثناءها وبعدها، ولم يغب عنها لوهلة رعب الاقتحامات الليلية للمنزل التي تجاوزت مائتي اقتحام.

كما رافق الاقتحام اعتداءات طالتها وكافة أسرتها تمثلت بالضرب والاحتجاز والتفتيش للمنزل وتدمير الأثاث والتحقيق الداخلي والصلب لساعات في البرد والعراء الشديدين.

يقول نجلها سند إن عمليات الاقتحام كانت تتم بشكل يغلب عليه الإرهاب، حيث يحيط بالمنزل عشرات الجنود ويقتحمه أكثر من خمسين جنديا، ويقلبونه رأسا على عقب بحجة التفتيش، حتى إنهم في إحدى المرات حطموا الجدران بحثا عن سلاح.

منقذ أفرج عنه منذ ثلاثة أشهر، بعد دفع غرامة، ولا يزال يتابع جلسات محاكمته (الجزيرة)

أم الأسرى
وتتابع أم إياد حديثها قائلة "لدي ثلاث زيارات شهريا إلى سجون مجدو والنقب الصحراوي، ومرت علي أيام كنت أقضي جُلّ أيام الشهر في الزيارات".

وبات السجانون يعرفونها جيدا، وصارت هي أيضا تعرف الكثير من قضايا الأسرى ومعاناتهم، حتى إنها تحتفظ بأرقام هواتف المؤسسات الحقوقية المتخصصة بمتابعة قضايا الأسرى.

كما تحفظ كذلك أرقام الإذاعات ومحطات التلفزة المحلية لتبعث برسائل تهنئة واطمئنان لأبنائها والأسرى جميعا.

وفي قريتها تتناوب النساء هناك -لا سيما أمهات الأسرى- على زيارتها في منزلها للاطمئنان عليها وعلى أبنائها الأسرى، بل إنها تصطحب معها أبناء بعض الأسرى لزيارة آبائهم ممن يكون الاحتلال قد منع ذويهم من الزيارة لأسباب أمنية.

لمّ الشمل
وتعتبر المواظبة على الاعتقال أكثر ما يؤرّق الحاجة أم إياد، فشمل العائلة -كما يقول نجلها محمود- لم يلتم منذ 13 عاما، فكلما أفرج الاحتلال عن أحدهم اعتقل آخر.

ويضيف "بتنا ننشد لقاءً واحدا يجمعنا كلنا سوية بفرح أو حتى ترح، بل صار أمل الاجتماع في السجن أكبر منه في الخارج".

وأوضح -ودمع يُغرق مقلتيه- "كلنا تجرعنا مرارة السجن، حتى أن والدي اعتقل أكثر من خمس مرات، وأمي أهينت وأسرتي تلوعت، ولم يكتف الاحتلال بعد".

ولم تدفع عائلة أم إياد ثمنا معنويا باعتقال أبنائها فحسب، بل دفعت ولا زالت ثمنا ماديا أيضا، إذ تكلفت حتى الآن بما يقرب من 15 ألف دولار غرامات وكفالات مالية لسلطات الاحتلال، وأضعاف هذا المبلغ نتيجة العبث والإفساد بالمنزل.

كثيرات هن النساء الفلسطينيات اللواتي يشبه حالهن أم إياد، لكن الاحتلال يتجاهل أن عزيمتهن وإرادتهن لم ولن تنكسر أبدا.

المصدر : الجزيرة