الحرب الدائرة في سوريا حرمت الكثير من الأطفال السوريين من آبائهم (الجزيرة)

خاص-الجزيرة نت

الحرب الدائرة في سوريا حرمت الكثير من الأطفال السوريين من آبائهم، وأصبحت مسؤولية تربيتهم ملقاة على عاتق أمهاتهم. إنه نوع آخر من التحديات التي تواجه النساء والأطفال السوريين، وهو ما سيكون له تأثيرات على المدى البعيد بحسب تحذيرات منظمة اليونيسف.

رهف وآمنة ونجاح نماذج لنساء سوريات تشبه قصصهن في معاناتها آلاف الأخريات، حيث أصبحت مسؤولية تربية أطفالهن وحمايتهم وإعالتهم ملقاة على عاتقهن، إذ بات أزواجهن في عداد المفقودين أو غيبهم الموت أو السجن.

فأول كلمة تعلمها جاد الصغير هي "بابا" وبقي ينادي أمه بها حتى وقت قريب، رغم أنه كان رضيعا في الشهر الخامس عندما اعتقلوا والده كاتب السيناريو عدنان زراعي، ومضى الآن على ذلك أكثر من عام، وفي كل ليلة يقبل صورة والده قبل أن ينام.

ومنذ ذلك الوقت تواجه والدته رهف وحدها ظروفها المتزايدة في السوء، سواء على المستوى الأسري أو العام في البلاد، حيث أصبحت الحاجة لوجود عدنان أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

أما الطفل غياث (سنة وأربعة شهور) الذي يحمل اسم والده نفسه غياث مطر جاء إلى الحياة يتيما، فقد كان جنينا في بطن أمه عندما اعتقل أبوه وأعادوه بعد أيام جثمانا فارق الحياة تحت التعذيب، والدته آمنة تراقب طفلها يكبر يوما بعد آخر وتحاول أن تكون له أما وأبا، وأن تعوضه بقدر ما تستطيع عن فقدان والده.

غياث الصغير كان جنينا عندما قتِل والده غياث مطر تحت التعذيب (صورة نشرها ناشطون على الفيسبوك)

غرفة واحدة
في حين أن نجاح (40 عاما) وصلت إلى الأردن منذ أيام مع بناتها الخمس اللواتي تتراوح أعمارهن بين 16 و6 سنوات، قُتل زوجها قبل ثلاثة شهور في حمص برصاص قناص وهو في طريقه لشراء خبز.

تعيش الآن نجاح في غرفة واحدة مع بناتها ووالدتها المسنة، وقالت للجزيرة نت "لدينا فراشين لشخصين ونحن سبعة! بناتي كان لديهن -على الأقل- فرش للنوم في بيتنا، الآن يشعرن بالكثير من اليأس".

وأضافت أن طفلتها الصغيرة ذات الأعوام الستة حاولت أن ترمي نفسها من السطح بعد مقتل والدها، "كانت تريد أن تقتل نفسها لتلحق بوالدها، لكن جارنا استطاع منعها في الوقت المناسب".

من ناحيته قال أخصائي الطب النفسي العام والعلاج النفسي للأطفال والمراهقين، الدكتور ملهم الحراكي، للجزيرة نت إن الأب رمز للإشباع النفسي والمادي للطفل، فإن تحقق هذا الإشباع مع أيٍّ كان استقر النمو النفسي والانفعالي والعاطفي وتقدير الذات عند الطفل، حتى لو كان الأب الحقيقي غير موجود.

وتحدث عن الأثر الذي يتركه غياب الأب في سلوك الأطفال، فقد يقوم الطفل بالدفاع عن نفسه بغياب الأب وتأمين الحماية لذاته وكأنه هو أبو نفسه لعدم ثقته بالمربي البديل، ولكن يكون هذا الدفاع من خلال السلوك العدواني والعنف والفظاظة والعناد والمشاكسة والكذب.

 الأب رمز للإشباع النفسي والمادي للطفل، فإن تحقق هذا الإشباع مع أيٍّ كان استقر النمو النفسي والانفعالي والعاطفي وتقدير الذات عند الطفل، حتى لو كان الأب الحقيقي غير موجود

نفسية الطفل
وأردف الحراكي أنه في حالات أخرى قد يغلب القلق والتوجس على نفسية الطفل متمثلا بالحركة المفرطة التي لا هدف لها مع تشتت في التركيز وتململ واندفاعية وطيش وتفكير غير عقلاني، أو أن تمتلئ نفس الطفل بالخوف من كل شيء والحساسية المفرطة من الآخرين وسرعة التبدل في المزاج، وربما يغلب شعور العجز على الطفل فتُصاب نفسه بالكآبة والوهن فيلجأ إلى الانسحاب والعزلة عن الناس وقد يُفكر بالموت.

وأضاف أنه يُطلب من أم الطفل نفسها في غياب الأب أن تصبح أماً وأباً للطفل في نفس الوقت، شريطة أن تتلقى هي الدعم المادي والنفسي الكافي من المجتمع، لا أن تلجأ إلى الضغط والقسوة الشديدة على الطفل لتعويض دور أبيه كما يحصل في بعض الحالات.

وأشار الحراكي إلى أنه يتم تعويض دور الأب نفسيا من خلال تأمين الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن ودفء وراحة ومداواة بشكل جيد ومناسب للطفل، وتأمين الحماية والأمان له من كل أشكال الخطر، وتوفير أجواء اللعب الحر الإبداعي.

وأكد على ضرورة أن يكون المسؤول عن الطفل شخصا واحدا يُرجع إليه في السماح والمنع والثواب والعقاب وفي كل شيء يخصُّه، وكذلك بيّن أهمية الحزم والضبط في التعامل مع الطفل وإشباع الحاجة للتعلم لديه.

المصدر : الجزيرة