نهر قويق بحلب الذي انتشلت منه نحو 200 جثة لرجال أعدمتهم القوات النظامية وفقا لناشطين (الجزيرة نت)

ماجد أبو دياك-حلب

نهر قويق في مدينة حلب (شمال سوريا) الذي كان يمد سكان حي بستان القصر بالماء يروي مناطق زراعية خصبة، بدأ قبل أسابيع يقذف من مجراه المتدفق من منطقة خاضعة لسيطرة القوات النظامية بجثث بعض الأهالي في كابوس مرعب بات يخيم على الحي.

وحتى أيام قليلة، كان الأهالي لا يزالون يتلقون المزيد من الجثث القادمة من الأحياء الخاضعة لسيطرة النظام ليذكّرهم مطلب الحرية الذي دفعوا مقابله ثمنا غاليا.

ومن بين أكثر من 200 جثة -على أقل تقدير- قذف بها النهر القادم أصلا من تركيا، كان هناك من الحي من فُجع بفقد ابن أو قريب أو زوج.

ماذا اقترف هؤلاء ليحل بهم ما حل؟ يقول أهالي الحي إن المنطقة الخاضعة للثوار شهدت اشتباكات عنيفة مع قوات النظام قبل أن تسقط بأيديهم.

وأجمعت الشهادات على أن النظام كان يقتل بعض ضحاياه من الحي بإدخل طرف السلاح في حلوقهم مما يؤدي إلى انفجار الجزء الخلفي من الجمجمة، حيث شاهد سكان الحي العديد من الجثث وقد اختفت المنطقة الخلفية من جماجمهم.

كان الأهالي يتلقون جثث أبنائهم عندما تفتح قوات النظام السد الذي تسيطر عليه في منطقة قريبة ليرتفع منسوب المياه وتطفو الجثث في النهر، وهكذا أطلق السكان عليه "نهر الشهداء".

الشيخ محمد ساعد في انتشال أكثر من عشرين جثة من النهر (الجزيرة نت)

على دفعات
وفي المنطقة التقينا رجلا ستينيا اسمه محمد عزيز بن عمر من حي الكلاسة القريب من النهر، قال إنه ساعد قبل نحو أسبوعين في انتشال 22 جثة قبل أن يتدخل شباب الحي للقيام بهذا الدور، مشيرا إلى أن قناصا من قوات النظام كان يطلق النار على المنقذين.

وأضاف أنه تم عرض الجثث في الحي للتعرف عليها. أما الجثث التي لم يتم التعرف عليها فدُفنت في قبر جماعي في حديقة عامة.

ويقول والحسرة بادية عليه "كنت أعتبر أن بشار الأسد جيد وعلينا انتظاره وإعطاؤه الفرصة, ولكن اتضح أنني كنت مخطئا"، واستغرب كيف يمكن أن يقدم جيش البلد على قتل أبناء البلد.

وعزز هذه الشهادة شخص أشار لنا بكنيته, وهو أبو محمد, الذي سمح بتصويره عكس الغالبية التي رفضت التصوير. وقال إن سوق الهال الواقع تحت سيطرة النظام فيه منطقة اسمها المشارقة يعتقل الشباب فيها ويعدمون، مشيرا إلى اكتشاف جثث يعود بعضها لنساء وأطفال هناك.

وروى لنا قصة طفل عمره عشر سنوات ذهب لإحضار عبوات للبنزين لإعاشة أهله من بيع المحروقات فإذا به يرجع جثة هامدة.

وقال إن أول دفعة من الجثث ضمت 172 شخصا، وبعد ذلك بعد توافدت الجثث بأعداد أقل وبشكل شبه يومي إلى ما قبل أيام.

وذكر لنا أن أهالي بعض المختفين سألوا فرع المخابرات الجوية عن أبنائهم، فطلبوا منهم مبالغ مالية للإفراج عنهم، ولكنهم أبلغوهم بأنهم لا يتوفرون على المبلغ المطلوب ليجدوا جثث أبنائهم في اليوم التالي في النهر.

أبو محمد: الجثث تعود لأشخاص أعدموا في مناطق تخضع لسيطرة النظام (الجزيرة نت)

ذهبوا لرزقهم
قصة مأساوية أخرى يرويها فراس البدر (23 سنة) الذي قتل رفيقه وصديق عمره عندما ذهب على دراجته النارية لحي المشارقة لإحضار بعض الحاجيات للأهالي لقاء مبلغ زهيد يتقاضاه.

وتفاجأ قبل أسابيع بجثة صديقه تستخرج من النهر مكبل اليدين إلى الخلف وفمه مغلق, بينما سرقت مفاتيح المخزن الذي يضع فيه البضاعة التي يشتريها, ومبلغ 13 ألف ليرة سورية (تساوي الآن نحو 120 دولارا).

وتحدث فراس بألم ممزوج برغبة في الانتقام لفقد رفيقه الذي كان طالبا بكلية الآداب في جامعة حلب ولم يكن له أية صلة بالثوار.

وروى لنا أن والده المقيم في حسرجة بريف حلب انضم بعد ذلك للجيش الحر, وأسس كتيبة أطلق عليها كتيبة يوسف عويضة باسم ابنه المقتول.

أما عبد الفتاح كربوج فقد قتل ابن عمه (37 سنة) قبل نحو أسبوعين بنفس الطريقة حينما ذهب لشراء مكاييل لبيع المحروقات. إلا أن هذا الأخير وجد مقتولا بطريقة وحشية بإطلاق النار داخل فمه مما أدى لانفجار جمجمة رأسه من الخلف.

المصدر : الجزيرة