تركة ثقيلة تسلمها بابا الفاتيكان الجديد فرانشيسكو من سلفه (الفرنسية-أرشيف)

غادة دعيبس-روما

مع انتهاء الاحتفالات بانتخاب بابا الفاتيكان الجديد، بدأ البابا فرانشيسكو عمله بمشاورات تشكيل حكومة الفاتيكان الجديدة (الكوريا) ومعالجة الملفات المعلقة منذ استقالة سلفه بنديكت السادس عشر، إضافة لقضايا سرقة الوثائق البابوية وتسريبها وفضائح التحرشات الجنسية والفساد.

ويراهن المحللون والخبراء على مقدرة البابا في مواجهة تركة التحديات التي خلفها سلفه وقدرته على استعادة مصداقية الكنيسة، مؤكدين أنه يحتاج لبذل الكثير من الجهد، حيث إن رئيس الكرسي الرسولي القادم من أميركا اللاتينية يقوم بمهمة في القارة الأوروبية، وسط تساؤلات بمدى الأريحية التي سيعمل بها.

كنيسة فقيرة
الصحفي والخبير بشؤون الفاتيكان ماركو بوليتي يرى أن أكبر تحد أمام البابا الجديد الآن هو كيفية جعل الكنيسة للفقراء مثلما أعلن بنفسه لحظة توليه مقعد البابا بقوله "نريد كنيسة فقيرة للفقراء لا عيب فيها ومتواضعة".

يقول بوليتي إن البابا "يحقق تحولا كبيرا في الكنيسة، فمن أول خطاب له نعت نفسه بالأسقف وليس حبرا أعظم. ونادى الكرادلة بالإخوة وليس بالسادة الموقرين. وفضل أن يحمل صليبا من حديد بدلا من الذهب. وانتعال حذاء قديم على الحذاء الأحمر الإمبراطوري، والملابس البسيطة دون القبعات الباذخة، وبالتالي هذه ثورة من خلالها سيلغي كل ما يوحي بأن الكنيسة سلطة ومملكة، ليجعل منها جماعة المؤمنين".

وحسب المحلل الكنسي فإن "سياسة البابا الجديد ستمس نمط حياة الأساقفة والكهنة بالكنيسة حيث البذخ والاستهلاك والسيارات الفخمة والحاشية والخدم، والمساكن الباهية"، متوقعا أن تلاقي هذه الثورة الجديدة المصحوبة بالإصلاحات تصفيقا قويا في الخارج ومقاومة شديدة داخل المؤسسات الكنسية لأن "تغيير نمط حياة وسلوك الأفراد لن يكون سهلا".

ويرى الخبير الإيطالي أن التقشف والبساطة يتطلب أيضا شفافية من الكنيسة في قضية تصحيح وضع مصرف الفاتيكان "بإغلاقه أو تحويله إلى مؤسسة أخلاقية تتبع المعايير الدولية". كما طالب بالكشف عن ميزانية الكنائس مثلما يفعل الأساقفة بألمانيا وأن تفصح عن قيمة إرث الكنيسة في إيطاليا.

ووفق صحيفة "السولي فينتي كواترو أوري" الاقتصادية (الشمس 24 ساعة)، فإن قيمة إرث الكنيسة في إيطاليا يصل إلى نحو تريليون يورو.

ماركو بوليتي صحفي خبير بشؤون الفاتيكان  (الجزيرة)

قضايا وتحديات
وفيما يتوقع الكثيرون أن يكون ملف تسرب وثائق أصلية من مكتب البابا السابق وفضائح الشذوذ تحديا أمام فرانشيسكو، يرى الخبير الفاتيكاني "أن المشكلة فنية" وأنه بإمكان البابا الجديد التغلب على هذه المشاكل إذا قام بتشكيل فريق عمل عالي الكفاءة ويتمتع بخبرة وأمانة.

وأكد بوليتي أن "كثيرا من الأساقفة داخل الحكومة تقيون ومهنيون وينتظرون أن يبدأ فرانشيسكو بترتيب وضع البيت الداخلي". وعزا الخبير بشؤون الفاتيكان التوتر والصراعات في حكومة الفاتيكان في عهد بنديكت السادس عشر إلى قلة خبرته بالعمل الدبلوماسي واعتماده على قلة من الأشخاص.

وتوضيحا للاتهامات التي وجهت للبابا الجديد بدفاعه عن كهنة شاذين قال بوليتي "يُقال إن بيرغوليو (الاسم الحقيقي للبابا فرانشيسكو) عيّن أثناء عمله في بيونس آيرس لجنةً للدفاع عن كاهن اتُهم بالتحرش الجنسي، ويقال أيضاً إنه رفض استقبال ضحايا التحرشات الجنسية آنذاك، لكن وثائق صدرت مؤخرا عن موقفه حيال الأمر خاصة بعد أن أطلق البابا السابق سياسة مشددة عام 2010 ضد الكهنة الشاذين، توضح أن البابا الجديد يتبع نفس السياسة الشديدة حيال هؤلاء الكهنة".

الحقوق الاجتماعية
من جهة أخرى، يمثل ملف الحقوق الاجتماعية تحديا كبيرا أمام تماشي الكنيسة مع العالم الحديث لا سيما في القضايا الملحة كحقوق الأزواج غير المتزوجين، وحقوق المثليين، والحمل الصناعي ومشاكل حقوق الأزواج المطلقين وما إلى ذلك.

ويقول بوليتي إن البابا تقليدي، لكنه معروف بقربه من حياة الناس ومشاكلها وكثيرون يتوقعون أن يعمل مع الأساقفة وأن يستشيرهم لحل بعض المشاكل العالقة، مشيرا إلى أن البابا استمع خلال عمله في بوينس آيرس إلى أسقف قام بدراسة حول حقوق المطلقين التي تحرمهم الكنيسة من ممارسة بعض الطقوس الكنسية في حال زواجهم مجددا.

كما أنه أبدى بعض المرونة في السنوات الأخيرة تجاه الحقوق الاجتماعية للمثليين مثل حق التقاعد، وفق المحلل الفاتيكاني.

يذكر أن البابا هو الأول من المرسلية اليسوعية على مر تاريخ الكنيسة، ويقول ماركو بوليتي "أن يكون البابا يسوعيا ومن أميركا اللاتينية فذلك مؤشر للتغيير والتجديد في الكنيسة. وأمر لم يكن ليحدث في العصور الماضية".

المصدر : الجزيرة