آثار القذائف واضحة في مباني حي صلاح الدين في حلب (الجزيرة)

ماجد أبو دياك-حلب

عندما تدخل حي صلاح الدين في حلب ترى منطقة منكوبة بالمعنى الكامل للكلمة، إذ تتراءى لك على امتداد الحي مبان مهدمة بالكامل أو جزئيا أو محترقة أو محلات تجارية محطمة، أما البشر فهم غير موجودين، والمساكن شبه مهجورة خصوصا على جبهات القتال الأمامية.

لهذا الحي ذاكرة محفورة في عقول الحلبيين، فهو الأول الذي انتفض بكامله ضد النظام وناله الكثير من تنكيل وبطش قواته وأمنه، وقد أطلق أهله على الشارع الرئيسي فيه اسم شارع الشهداء لكثرة ما وقع فيه من قتلى بالمعارك بين الجيش النظامي وكتائب الثوار والتي لا تزال مستمرة حتى الآن بدون توقف.

شارك الحي بقوة في الثورة الشعبية منذ انطلاقتها في حلب والتي كانت متأخرة عن بقية المدن السورية. وخلال أسبوع واحد في يونيو/حزيران العام الماضي قتلت قوات النظام 22 شخصا ردا على المظاهرات التي انطلقت بالحي، وكانت تعد بالآلاف وبعضها عد ثلاثين ألفا كما أفادنا ناشطون.

بطش وثورة
وبعد الفشل في التصدي للمتظاهرين، وتنظيم بعض المجموعات المسلحة كمائن وتفجيرات لسيارات الأمن خلال المواجهات والبطش بالمدنيين، أدخل النظام قواته في المواجهة. وبعد أيام قليلة تقدمت مصفحة فأطلقت النيران على تجمعات المدنيين بإحدى مظاهرات الجمعة مما أدى لمقتل 19 شخصا.

وعلى الإثر بدأت مطالبات المدنيين ترتفع للمطالبة بتدخل الجيش الحر لحماية الناس، وذلك في إطار حراك شعبي وعسكري في أحياء الصاخور والشعار والفردوس وبستان القصر شرقي وجنوبي حلب.

ويقول قائد لواء حلب الشهباء أبو الصادق الذي يهيمن على الحي إنه بالجمعة التي تلت هذه المجزرة "نزلنا مع المتظاهرين بمسدس واحد وثماني قنابل واشتبكنا مع الأمن عند منطقة سيف الدولة قرب جامع سعد بن أبي وقاص فقتل ثمانية من عناصر الأمن والشبيحة".

ويضيف أنه بالجمعة التالية أعلن اللواء "المشاركة في حماية المظاهرات، وبدأنا بحمل رشاشات بشكل علني".

هكذا بدا مدخل مسجد زيد بن حارثة بعد سيطرة الثوار عليه (الجزيرة)

دمار هائل
حينما تتجول بالحي يلفت انتباهك أربعة جوامع بأطرافه الأربعة. ويقول الناشط الإعلامي أبو محيو إن المتظاهرين كانوا يتجمعون بجامع صلاح الدين انطلاقا من جوامع الخضر والتقوى وسعد بن أبي وقاص.

ويعيدك الدمار الهائل بالمنطقة إلى يوليو/تموز من العام الماضي حينما تمكنت قوات النظام من إحكام سيطرتها على معظم أنحاء الحي باستخدام الطائرات والدبابات والقصف. ولكن الثوار قالوا وقتها إن هذا الانسحاب تكتيكي وإنهم عائدون، وهذا ما حصل بالفعل.

ويضيف محيو الذي رافقنا في جولة بالحي أنه شهد موجة نزوح حتى غدا كمدينة أشباح إلا من القوات الحكومية التي لم تخل المدنيين بالجهة التي كانت ما زالت تحت سيطرتها، الأمر الذي عقد مهمة الثوار في استعادة الحي.

جزء من الدمار يظهر من نافذة مسجد زيد بن حارثة الذي سيطر عليه الثوار مؤخرا (الجزيرة)

نكبة إنسانية وحضارية
تمكنا من التجول في معظم أنحاء الحي بعد أيام قليلة من استعادة الثوار السيطرة على معظم أجزائه، وبعد يوم واحد من استعادتهم مسجد سعد بن أبي وقاص الذي قمنا فيه بجولة ميدانية برفقة مقاتلين من لواء حلب الشهباء الذي قاد معركة استعادة المسجد. وكما حصل في مسجد صلاح الدين، فإن القوات الحكومية أحدثت دمارا هائلا في المسجد ودمرت مدخله وأحدثت فتحات كبيرة للقناصة فيه.

ومن نوافذ المسجد وطابقه العلوي انكشف لنا الدمار الإضافي والهائل الذي أحدثته قوات النظام بمنطقة لم تكن تظهر لنا بدابة الجولة، الأمر الذي بدى كنكبة حقيقية حلت بالحي.

ويقول ناشطون بلجان إغاثة تابعة للمجلس العسكري للمدينة برئاسة عبد الجبار العكيدي إنهم سيبدؤون السماح للمدنيين بالعودة لمنازلهم أو بالأحرى ما تبقى منها، مع التزام الحذر من معاودة قصفها من قبل قوات النظام التي تسيطر على شارع 15 غربي الحي، مع إشارتهم إلى أن مئذنة جامع سعد التي كان يستخدمها النظام في عمليات القنص لم تعد تحت سيطرته.

سيسجل للحي هذا بواكير ثورته، وقصب السبق في تنظيم المظاهرات في حلب ثاني أكبر المدن السورية، ولكن معاناة أهله كبيرة كحجم معاناة سوريا بمدنها وأريافها.

المصدر : الجزيرة