الدخان يتصاعد من حي باب التبانة بطرابلس بعد تجدد اشتباكاته مع جبل محسن (الفرنسية)

تجنب لبنان انتقال شرارة الصراع الدائر في سوريا إلى أراضيه، وذلك رغم تداخل العلاقات السورية اللبنانية وتأثيرها عليه، لكن الأحداث الأخيرة أثارت أكثر من علامة استفهام حول مدى قدرة الحكومة التي يقودها حزب الله على حفظ الاستقرار في بلاد الأرز.

وبالرغم من الحرب المستعرة في سوريا منذ عامين، ظل لبنان في مأمن من تداعياتها المباشرة إلى حد كبير، ولكن أحداث الأيام القليلة الماضية أثارت المخاوف في هذا البلد الصغير المطل على البحر الأبيض المتوسط، فقد تعرض أربعة علماء دين من السنة إلى الضرب في العاصمة بيروت من قبل مجموعة رجال يعتقد أنهم من الشيعة في هجومين منفصلين يوم الأحد، وهو ما أثار احتجاج المئات من المسلمين السنة الذين قاموا بإغلاق بعض شوارع بيروت وأشعلوا براميل القمامة وإطارات السيارات.

وفي تطور آخر سقطت قذيفتان وصاروخ على الأقل مصدرها الأراضي السورية صباح الأربعاء الماضي على بلدة القصر اللبنانية الحدودية المقابلة لريف مدينة القصير في محافظة حمص وسط سوريا. وقبل ذلك بيومين كانت مصادر أمنية وإعلامية لبنانية قد ذكرت أن الطيران الحربي السوري قصف مدينة جرود عرسال، التي يدعم سكانها مقاتلي المعارضة السورية.

وكانت الخارجية الأميركية قد أكدت أن طائرات ومروحيات النظام السوري أطلقت صواريخ على لبنان، معتبرة ذلك تصعيدا ملحوظا للنزاع السوري.

نذير شؤم
وتتزايد المخاوف من تصعيد يعقب هذه الأحداث التي قد تكون نذير شؤم للبنان، والذي وصفها وزير الداخلية مروان شربل بأنها سحابة سوداء تلوح في الأفق، فيما قال قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي إن لبنان مر خلال الساعات الماضية بأخطر استحقاق أمني منذ ثماني سنوات، في إشارة على الأرجح إلى اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في 2005.

ومنذ بداية الأزمة السورية تكررت الاشتباكات وتبادل إطلاق النار عبر الحدود بين البلدين من وقت لآخر، ولكنها المرة الأولى التي تسقط فيها صواريخ على الأراضي اللبنانية.

اللاجئون السوريون في لبنان
أكثر من 360 ألفا
(الأوروبية)

ويرتبط البلدان بعلاقات متشعبة، فمئات آلاف السوريين يعيشون ويعملون في لبنان منذ ما قبل الحرب السورية، كما أن الأزمة دفعت بمئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى بلاد الأرز.

وتقدر الحكومة اللبنانية عدد السوريين في البلد بنحو مليون، وسجلت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى الآن أكثر من 360 ألف لاجئ سوري هناك.

وقبل أيام أكد رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي عدم وجود أية مشكلة بين بلاده وسوريا، لكن الحقيقة أن الانقسام واضح بين السياسيين والمجتمع اللبناني عموما فيما يتعلق بسوريا، وهذا الانقسام يرجع في جذوره على الأقل إلى عام 2005 حينما انسحبت القوات السورية من لبنان وظهر ما عرف منذ ذلك الحين بحركة "14 آذار" بزعامة سعد الحريري، التي ينظر إليها كموالية للغرب ومعارضة للنظام السوري منذ مقتل رفيق الحريري.

على الجانب الآخر ظهر تيار "8 آذار" الذي يقوده حزب الله، والذي يجاهر بولائه للنظام السوري، وينتمي إليه رئيس الوزراء الحالي نجيب ميقاتي. ومنذ نشوب الأزمة السورية يحاول رئيس الحكومة اللبنانية أن يكون محايدا، فقد أرسل وزير خارجيته مؤخرا إلى دمشق لمحاولة منع وصول شرارة النزاع إلى بلاده، كما اعترض من خلال الوزير نفسه في الجامعة العربية على قرار تسليم مقعد سوريا للمعارضة السورية.

محاولة للتوازن
ولكن من ناحية أخرى فإن حكومة ميقاتي دفعت حصتها من تمويل المحكمة الدولية للتحقيق في قضية اغتيال رفيق الحريري المتهم فيها أعضاء من حزب الله.

ويقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط ورئيس الجمعية الألمانية للعلوم والسياسة فولكر بيرثيس، إن ميقاتي يعمل بقدر المستطاع على الحفاظ على الاستقرار في بلاده والصمود حتى تنتهي الحرب في سوريا، فالحكومة اللبنانية استطاعت حتى الآن تقريبا السيطرة على الوضع.

حزب الله جاهر بدعمه القاطع للنظام السوري في حربه ضد المعارضة

ويشير بيرثيس إلى أن هذه الحكومة هي حكومة حزب الله، فهو يتحكم إلى حد كبير بمسار السياسة في بلاد الأرز، كما أنه يحتفظ حتى اليوم بعلاقات جيدة مع كل من إيران والنظام السوري، ويتهم بإرسال مقاتلين إلى سوريا لمساعدة النظام. ومع أن إيران والنظام السوري لا ينتظران من حزب الله مساعدة كبيرة، فإنه يقدم الحد الأدنى من التضامن، ومن المتوقع محافظة حزب الله على استقرار لبنان، لأنه قد يخسر كثيرا في حالة انتقال الصراع إلى الأراضي اللبنانية.

ويرى بيرثيس أن الحكومة اللبنانية تتحرك في وضع صعب، فهي من جهة تعمل على الحفاظ على علاقات جيدة مع النظام السوري، ومن جهة أخرى توفر المأوى لمعارضي هذا النظام. وذلك لمحاولة الحفاظ على استقرار بلد يعاني من الانقسامات الإثنية والطائفية، التي تشبه الانقسامات الحاصلة في سوريا، وهذا ما أظهره الهجوم الأخير على علماء السنة من قبل رجال من الشيعة.

ويعتقد بيرثيس أن الحكومة اللبنانية ستتمكن في النهاية من الحفاظ على الهدوء في لبنان، ولعله من "سخرية الأقدار" أن يكون عامل استقرار لبنان هو وجود حزب الله في الحكومة اللبنانية.

المصدر : الألمانية