المتظاهرون طالبوا الملك بالاعتذار للشعب الأردني (الجزيرة)

محمد النجار-عمّان

لا تزال الهزات الارتدادية لمقابلة ملك الأردن عبد الله الثاني مع مجلة ذي أتلانتيك الأميركية -التي أجراها الصحفي جيفري جولدبيرغ ونشرت أمس الثلاثاء- تضرب في كل مكان بالمملكة التي عاشت يوما ثقيلا لم تنشغل خلاله سوى بتصريحاته غير المسبوقة، التي فتح خلالها النار على أطراف داخلية وخارجية.

الرد الرسمي جاء عبر بيان مقتضب، و"غير موفق" بحسب إعلاميين وسياسيين، ذكر أن تصريحات الملك أُخرجت من سياقها.

وحاول البيان الذي أصدره الديوان الملكي -بعد حوالي 12 ساعة من نشر المقابلة- التخفيف من وقع تصريحات الملك التي هزت أهم كيان اجتماعي أردني، وهو العشائر التي وصف الملك قادتها -بحسب المقابلة - بـ"الديناصورات القديمة". كما أكد -البيان- تقدير الملك للأجهزة الرسمية، في إشارة للانتقادات التي وجهها الملك لجهاز المخابرات الذي لا يختلف الأردنيون على تصنيفه كأحد أركان الحكم في المملكة.

وسعى البيان للتقليل من حدة الانتقادات التي وجهها الملك للرئيس المصري محمد مرسي ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، عوضا عن التخفيف من الانتقادات للدبلوماسية الأميركية قبل يومين فقط من زيارة سيقوم بها الرئيس الأميركي باراك أوباما للأردن.

وكان من اللافت تجاهل بيان القصر الملكي توضيح الانتقادات الطويلة التي وجهها الملك لجماعة الإخوان المسلمين الذين وجه لهم تهما قاسية أهمها أنهم "جماعة ماسونية"، وكذلك انتقاداته للرئيس السوري بشار الأسد.

لافتات المتظاهرين حملت شعارات ساخرة (الجزيرة)

الصحفي السجّان
البحث عن خلفيات الصحفي الذي أجرى الحوار كانت مهمة كثير من السياسيين والصحفيين، ليعرفوا لاحقا أن جيفري جولدبيرغ عمل سجانا في إسرائيل إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى، قبل أن ينتقل للعمل في الإعلام.

وبدت علاقة جولدبيرغ بالملك قديمة، لا سيما أنه أول من أجرى حوارا معه بعد توليه مقاليد الحكم عام 1999، وكان الحوار لصالح مجلة نيويوركر.

وسخر الأردنيون على موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر من مضامين تصريحات الملك إلى حد غير مسبوق، حيث غزت صور الديناصورات صفحات الأردنيين وتبادلوا النكات حولها وعن عودتها بعد انقراضها، وتركز حيز من تعليقاتهم الساخرة على "المحفل الماسوني الإخواني".

وانتهى اليوم الأردني بموقف سياسي بدا وحيدا من جماعة الإخوان المسلمين التي استنكرت ما ورد في تصريحات الملك، ونظمت مظاهرة سار فيها عشرات النشطاء إلى محيط الديوان الملكي، وجهوا خلالها انتقادات قاسية للملك وذكروه بمصير الرؤساء العرب المخلوعين.

وعلى صعيد التفاعل الإعلامي فقد تعامل أغلب الإعلام الإلكتروني المحلي مع المقابلة بجرأة غير متوقعة، في حين التزمت مواقع أخرى الصمت طوال النهار إلى أن صدر توضيح رسمي اكتفت بنشره.

بدوره استفاق الإعلام الرسمي الأردني ليلا، فظهر وزير الدولة لشؤون الإعلام سميح المعايطة أول مرة في نشرة الساعة الثامنة مساء على التلفزيون الأردني محاولا تفسير كثير مما ورد في المقابلة. بينما اكتفت الصحف اليومية بنشر التصريح الرسمي دون التطرق بأي شكل لمضمون المقابلة، باستثناء مقال وحيد للكاتب فهد الخيطان في صحيفة الغد.

وكان لافتا في كل التوضيحات التي صدرت عن الديوان الملكي والإعلام الرسمي غياب الهجوم على الصحفي الذي اتهم بتحريف المقابلة، وهو ما أرجعه إعلاميون وسياسيون إلى تصريحات لجولدبيرغ -أحدها لراديو البلد المحلي- قال فيها إنه يملك تسجيلات لثلاث ساعات من الحديث مع الملك، وأن الأخير طلب منه إغلاق التسجيل 12 مرة خلال المقابلة، بما يعني أن الملك لم يسجل ما لا يريد نشره.

تصريحات الملك لا يمكن أن تصدر من شخص في موقع المسؤولية، فما بالك إذا كانت من ملك تمر بلاده بظروف خطيرة

تحليل
من جانبه حاول أستاذ الطب النفسي والمحلل السياسي محمد الحباشنة الجمع بين تحليل الموقف وتحليل سلوك ملك الأردن من خلال تصريحاته، وكذلك سلوك الأردنيين في التعاطي معها، قائلا إن الإجابات التي نشرت "لا تصدر من شخص في موقع المسؤولية، ولا يمكن اعتبار مواقفه هذه شخصية".

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن نص المقابلة كسر المعنى الدبلوماسي الذي يجب أن يتحلى به القائد السياسي. وأوضح أن الناس تفاجأت بالتصريحات لأنها لا يمكن أن تصدر عن مسؤول "فما بالك إذا كانت من ملك لبلد يمرّ بظروف خطيرة".

وعن قسوة التناول الشعبي، اعتبر الحباشنة أن كثيرا من الناس تعاملوا مع التصريحات على أنها صادرة من "عبد الله بن الحسين وليست من رأس الدولة المتحدث باسمها". وعن التفسيرات التي تشيد بصراحة الملك الأردني خلال اللقاء قال "البعض يقول إن الملك كان صريحا، لكن الصراحة التي لا تبنى على فكر سياسي لا تعد شفافية".

وحمّل الحباشنة من وصفه بـ"المطبخ السياسي الهزيل في المملكة" مسؤولية التصريحات التي قال إنه كان يفترض أن يجري عليها الاستدراك والمراجعة قبل النشر.

المصدر : الجزيرة