استقالة البابا بنديكت السادس عشر هي الأولى لرأس الكنيسة الكاثوليكية منذ سبعمائة عام (الفرنسية)

مع اقتراب موعد انتخاب بابا جديد للفاتيكان أواسط الشهر الجاري، طُرحت تساؤلات بشأن هوية البابا المثالي للكنيسة في الألف الثالث. فهل هو بابا يتمتع بحيوية الشباب ولا يتحدث فقط لغة دينية بل يتفهم أيضا مشاكل العالم، وتتسم شخصيته بحزم كاف لإعادة أمور الكنيسة إلى نصابها؟

وانتهت ولاية بنديكت السادس عشر كبابا الفاتيكان الخميس الماضي، عندما أصبحت استقالته نافذة، وهي الاستقالة الأولى لرأس الكنيسة الكاثوليكية منذ سبعمائة عام. وأعلن البابا في 11 فبراير/شباط عزمه على الاستقالة من دون أجواء احتفالية خاصة.

وفي أعقاب ثماني سنوات من استلام البابا موقعه، اضطرت خلالها الكنيسة إلى التعامل مع عدد كبير من الفضائح، بدءا بالتحرش بالأطفال وصولا إلى قضايا الفساد، غالبا ما شدد على هذه الصفات أساقفة وخبراء في الشؤون الفاتيكانية، خلال أحاديثهم مع وكالة فرانس برس.

فمن الضروري أن يتقن البابا الجديد بضع لغات، لكن جنسيته لم تعد مثار اهتمام كما في السابق، على أن يكون ضليعا في الأمور العقائدية، كما يريده بنديكت السادس عشر الذي عين معظم ناخبيه.

ولن تكون أولويات الناخبين بالضرورة تلك التي يسود الاعتقاد أنها الأولويات المطلقة. فعندما سيلتقي الكرادلة في المجمع الانتخابي من بلدان شديدة الاختلاف، كالصين والأرجنتين ونيجيريا أو الولايات المتحدة، ستتنوع الأولويات كثيرا (الفساد والحروب والعنصرية والتحرش بالأطفال والحقوق السياسية والإسلام والتلاقح الثقافي والعلمنة... إلخ)، لكنها غالبا ما تكون بعيدة جدا عن "فاتيليكس" (نسبة إلى ويكليكس والمستندات المسربة عن تورط الكنيسة بقضايا مختلفة) والأنباء عن "مجموعة من الشواذ" أو الفضائح المالية في الفاتيكان.

الكرادلة يتطلعون إلى بابا يتمتع بكاريزما يوحنا بولص الثاني، بابا يجمع الناس، ويتمتع برؤية غير ضيقة، أو "إيطالية"، بل برؤية كونية للكنيسة

كاريزما ورؤية
ويتطلع الكرادلة إلى بابا يتمتع بكاريزما يوحنا بولص الثاني، بابا يجمع الناس، ويتمتع برؤية غير ضيقة، أو "إيطالية"، بل برؤية كونية للكنيسة. وتشهد الكنيسة تجاذبات بين المحافظين والتقدميين، وتهددها مختلف أنواع المخاطر، من الإسلام السياسي إلى العلمانية الكثيفة.

ويقول مدير معهد بحوث في جامعة أميركا الكاثوليكية ستيفن شنبك، إن "الكاثوليك يريدون بابا لا يزيد من هذه الانقسامات بل يضطلع بدور الوسيط". ومن المهم ألا يكون شديد التصلب في شؤون العقيدة، ويتصف بالحزم في الوقت نفسه.

وأوضح كاردينال -طلب التكتم على هويته- أن "الذكاء وقوة الشخصية" بما في ذلك القدرة على الحسم عند الضرورة، مزايا لا بد منها. وأضاف أن الكنيسة تحتاج إلى بابا يعيد الاعتبار للأداء الجماعي الذي تخلى عنه كثيرا بنديكت السادس عشر.

وينتقد ماركو بوليتي كاتب سيرة البابا، عصر راتسينغر (الاسم الأصلي للبابا) الذي لم يبذل الجهود المطلوبة لإصلاح الإدارة الفاتيكانية. وقال إن الكنيسة تحتاج إلى بابا يجيد فنون الحكم، على ألا يكون لاهوتيا فقط".

وكشفت فضيحة "فاتيليكس" وجود خلافات في الهيئات المركزية للكنيسة. واستخدام مصرفها في السابق لتبييض الأموال القذرة.

video

وتحرص البلدان الغربية كثيرا على أن تجعل من رسالة الإنجيل جذابة من دون أن تشوه نقاءها. فبعض الكرادلة يطالبون بحصول تطور متأن يتصل بالمطلقين والشاذين وزواج الكهنة.

ويقول الخبير الفاتيكاني أندريا تورنيللي "تحتاج الكنيسة إلى بابا يجيد مخاطبة العالم، ويتجاوز حدود الكاثوليكية ويقدم الإيمان على أنه رسالة إيجابية كبيرة. تحتاج إلى بابا غير منكفئ إلى داخل" الكنيسة.

وتلك الشخصية المتواضعة والمنفتحة على المجتمع والأقل تشددا، والتي لا تحمل في جعبتها أجوبة سلفا على كل المسائل المطروحة، هي التي ينادي بها كاردينال مانيلا (الشاب نسبيا) لويس أنطونيو تاغل (55 عاما)، مرشح آسيا المفضل.

منفتح وداهية
أما الكرادلة الفرنسيون فرسموا أيضا شخصية البابا المثالي في نظرهم. فهم يبحثون عن رجل "منفتح" و"داهية" "يتمتع بصحة جيدة". وقال كاردينال باريس أندريه فان-تروا "يجب أن يتحلى بالانفتاح حتى يحاول الدخول في مختلف الثقافات".

لكن من المهم جدا أن يتصف "بالدهاء" لمواجهة الانقسامات، و"الصمود في وجه العاصفة والتناقضات والخلافات".

ويريد الكاردينال بول بوبار -"وزير" الثقافة السابق خلال فترة يوحنا بولص الثاني- "رجلا رؤيويا قادرا على الاستماع إلى مختلف الآراء، رجل قرار". وأضاف أنه "يجب أن يتحدث لغتين، أي أن يكون قادرا على التحدث بلغة الله بتعابير البشر".

واعتبر الكاردينال فيليب بارباران أن "ليس من السهولة بمكان خلافة رجل عظيم". وأضاف "لن نعثر على رجال من ذوي الشخصيات المميزة كالبابوين السابقين".

ويأمل المونسنيور جان لوي توران -المسؤول عن الحوار بين الأديان- أن يتسم البابا الجديد بـ"الشجاعة". وقال في تصريح لصحيفة لا كروا "هذه المسؤولية الجسيمة، لا أتمناها لأحد، وحتى لأفضل أصدقائي".

المصدر : الفرنسية