عزمي بشارة: الثورة على الظلم تعني تفكيك نظام الظلم وليس فقط التخلص من الأفراد (الجزيرة)

رماح الدلقموني-الدوحة

يرى المفكر العربي عزمي بشارة أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها دول الثورات الشعبية ستشمل الدول العربية التي تبدو حاليا هادئة ومستقرة سواء كانت تمر بعملية إصلاح أم لا، كما استفاض مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالحديث عن الثورة وتعريفها وموقف المثقف العربي منها، وذلك في محاضرة ألقاها في افتتاح فعاليات اليوم الثاني الأخير من منتدى الجزيرة السنوي السابع في العاصمة القطرية الدوحة.

وحاول بشارة في بداية حديثة تعريف الثورة، فقال إنها "فعل في التاريخ" لأنها واقع مادي محسوس يجري أمام أعيننا ساعة حصوله، كما أنها "فعل يقع خارج التاريخ" لأنها تكسر تسلسلاته السببية وتقطع صيرورته التي تذوب فيها الذات في الموضوع. كما أنها من اللحظات النادرة التي تتصرّف فيها مجموعاتٌ من المواطنين مدفوعةً بحريّة الإرادة، فتحوِّل النّفيَ إلى فعلِ تحدٍّ للنِّظامِ القائمِ، وإنْ كان الثّمنُ هو الموتُ.

وأشار بشارة إلى المثقف العربي في ظل الثورات، إما أن يكون في خانة المثقف النقدي الذي يتردد أولا بالإنحياز للثورة، ربما لأن "اندفاع الشباب لملاقاة الموت أفقده تميزه النقدي الذي كان يعد بطولة في إطار النظام القائم"، أو لأنه "يغار" من الجمهور الذي توجه مباشرة إلى الثورة "دون المرور بمراحل النقد المعهودة".

أو أن يكون في خانة المثقف المعادي للثورة -والحديث لبشارة- لا تأييدا للظلم، وإنما لأنه يعتبرها مؤامرة لا تتضح خيوطها الخفية إلا لاحقا، وليس بوسعه إلا تقديرها بالتخمين، ومثل هذا المثقف يخون وظيفته، حسب بشارة الذي قال إن أمثال هؤلاء يمكن وصفهم بأنهم مثقفو الأنظمة الذين يعبرون عن ثقافة الأجهزة الأمنية. ويبقى على المثقف النقدي ألا ينزلق إلى رفض الثورة فيقع في خانة المثقف المعادي لها.

كما اعتبر المفكر العربي أن الثورة ليست مجرد صراع بين الأشرار والأخيار وأن من يصنف طرفيها بهذا الشكل يرتكب عدة أخطاء، فهو "يحمِّل المظلومين أكثرَ من طاقتهم"، ولا يصبحُ قادرًا على فهم التّجاوزات والأعمال المشينة، ولا حتّى الجرائمَ التي تُرتَكب خلال الثّورات، عدا عن أنه يتجه نحو تعميم الأحكام دون فهم طبيعة الأنظمة وبنيتها ونحو تغيير الأفراد العاملين فيها دون تغيير طبيعة النظام.

إن مرحلة ما بعد الثورات خلفت العديد من المظاهر السلبية مثل التّجاوزاتِ الجنائيّةِ والعصبيّاتِ الدينيّةِ والجهويّة، وأحزاب تنشأُ وتنشقُّ، وصحافة تَكتبُ أيَّ شيءٍ عن أيِّ شيءٍ دون تحقيقٍ

"لا للانزلاق"
لهذا يرى بشارة أن الثورة على الظلم تعني "تفكيك نظام الظلم وليس التخلص من الأفراد فحسب"، وحذر من الانزلاق في لحظات النشوة والزهو بعد خروج الشعب متحديا مطالبا بحقوقه، وكذلك من الغرق في رومانسية تجعل من الثوار أولياء وقديسين، لأنهم "ليسو كذلك" فهم -كما يرى بشارة- نتاج الثقافة والاجتماع والاقتصاد في ظل نظام الحكم القائم ونتائج قيمه السائدة وأنظمة الاستبداد الفاسدة التي حكمت فترات طويلة، "وتحدي الأنظمة لا يعني بالضرورة نشوء أخلاق وقيم جديدة".

وأكد بشارة بأنه ليس ممن يرون بأنّ الثّوراتِ إذا لم تحمِل برنامجًا واضحًا ومفصَّلًا، فإنّها لا تستحقُّ تسمية الثّورة، لأن ذلك -حسب رأيه- غير صحيح تاريخيا، لأن الثورات في التاريخ مرت -دون استثناءٍ- بلحظةٍ من الإرادةِ الحرّةِ الجماعيّةِ والتحدّي، قبل أن يقومَ تنظيمٌ أو فردٌ بوضع أهدافِ الثّورة. أما الذين جعلوا لما يُسمَّى بـ"المرحلة الانتقاليّةِ" وِجهةً وهدفًا، فهم أولئك الذين قد يُتَّهمون بلغة اليوم بمصادرة الثّورات.

كما أشار بشارة إلى أن مرحلة ما بعد الثورات خلفت العديد من المظاهر السلبية مثل التّجاوزاتِ الجنائيّةِ والعصبيّاتِ الدينيّةِ والجهويّة، و"أحزاب تنشأُ وتنشقُّ، وينشقُّ شِقَّاهَا"، وصحافة تَكتبُ أي شيء عن أي شيء دون تحقيق، وشائعات تُثار وتُجترُّ وتُعادُ إثارتُها من جديدٍ حتى تفقد أي صلة لها بالواقع. حتى أصبح الناس يعدون أي حرية عن التّعبير رأيًا، وأي شائعةٍ -أو حتّى افتراء- وجهةَ ننظر وأي تشهيرٍ نقدًا، وأي اعتراضٍ -مهما كان مغرِضًا- معارضةً.

وختم بأن الانتقال إلى الديمقراطية التي جاءت الثورات العربية في سياقها كبديل على الاستبداد يجب أن يتم بالاتفاق بين الأحزاب والقوى الرئيسةِ في المجتمعِ. من خلال الاتفاق على قواعدِ الديمقراطيّةٍ، التي بموجِبها هي فقط، يتنافسون ويُعارضون ويصدرون الصّحفَ. بمعنى "التّواطُؤَ على نظام الحريّة، ما دامت الحريّةُ هي الهدفُ"، مضيفا أن المثقف الذي يقف ضدّ التغيير وضد الثّورة، يكون  ضدّ الانتقال الدّيمقراطي، ويسعى إلى التمسك بالماضي "أملًا في استدعاءِ لحظةِ الانقلابِ على الثّورة، وهذا هو معنى الثّورةِ المضادّة".

المصدر : الجزيرة