ألتراس الأهلي يطالبون بالقصاص لضحايا مذبحة بورسعيد (الجزيرة نت)
 
أنس زكي-بورسعيد

لا يبدو أن المصريين، وجماهير كرة القدم خاصة، سينسون سريعا تلك الأحداث المؤسفة التي شهدها ملعب بورسعيد مساء الأول من فبراير/شباط 2012، خصوصا وأن تداعياتها لا تزال مستمرة ما بين محاكمة قضائية ومظاهرات احتجاجية يقوم بها الجانبان سواء من جماهير الأهلي القاهري أو المصري البورسعيدي.
الفصل الأول من المحاكمة القضائية انتهى قبل أيام عندما قررت محكمة بورسعيد إعدام 21 من المتهمين في القضية وعددهم 73، إضافة إلى السجن المؤبد لخمسة متهمين، والسجن 15 عاما لعشرة متهمين بينهم مدير أمن بورسعيد وقت الحادثة، والسجن فترات متفاوتة لمتهمين آخرين، مقابل براءة 28 بينهم عدد من ضباط الشرطة ومسؤولي النادي المصري.
 
وكان متوقعا أن تغضب جماهير بورسعيد من أحكام الإعدام، لكن المفاجأة جاءت من القاهرة عندما تحولت احتفالات رابطة مشجعي الأهلي المعروفة باسم "ألتراس أهلاوي" إلى مظاهرات غضب ثم أعمال عنف شملت إحراق مبنى اتحاد كرة القدم المصري فضلا عن أحد الأندية الاجتماعية التابعة للشرطة.

ويبدو أن جماهير بورسعيد كانوا قد أفرغوا شحنة غضبهم في الأسابيع الأربعة الماضية التي أعقبت حكم القاضي بإحالة أوراق 21 متهما إلى مفتي الجمهورية، وهو ما يعد في العرف القضائي المصري كشفا عن نية القاضي بالحكم عليهم بالإعدام، حيث نظموا احتجاجات تحولت إلى مواجهات مع الشرطة راح ضحيتها 40 قتيلا فضلا عن مئات الجرحى.

وبعد هذه الأحداث أصبح لدى كل من الطرفين من يعتبرهم شهداء ينبغي القصاص لهم، وهو ما يؤكد أن كلمة النهاية لأحداث بورسعيد لن تكتب قريبا، وأن تداعياتها لن تمحى من الذاكرة المصرية لسنوات طوال مقبلة.

كتابات ألتراس المصري على حائط ببورسعيد(الجزيرة نت)

تعصب أم مؤامرة؟
ولكن كيف وصل الحال بالتنافس الرياضي إلى مثل هذا الحال؟ وهل كانت الكارثة حصاد تعصب كروي كما يعتقد البعض أم نتاج مؤامرة كما يصر آخرون؟
 
الجزيرة نت تعود بقارئها للوراء من أجل استقراء هادئ للأحداث التي بدأت عقب مباراة لكرة القدم سارت بشكل هادئ، ولم يعكر صفوها إلا لافتة مسيئة لمدينة بورسعيد رفعها بعض مشجعي الأهلي، لكن المباراة انتهت بفوز كبير للمصري على الأهلي وهو أمر يروق لجماهيره التي طالما أظهرت مشاعر غير ودودة تجاه الأهلي.
 
وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية حتى نزل المئات وربما الآلاف من جماهير المصري إلى أرض الملعب، وهو ما ظنه المتابعون نوعا منفلتا من الاحتفال، لكنهم اتجهوا نحو مدرجات جماهير الأهلي وبعد قليل انطفأت الأنوار مما ساعد على هلع جماهير الأهلي التي اتجهت نحو باب الخروج فتفاجأت بأنه محكم الإغلاق.
 
وكانت النتيجة المأساوية مصرع أكثر من 70 متفرجا معظمهم دهسا أو اختناقا، في حين أعلنت السلطات المحلية وقف النشاط الكروي، وتوقيع عقوبات على النادي المصري شملت إبعاده عن المنافسات، وأحالت النيابة العشرات من مشجعي المصري ومسؤوليه فضلا عن رجال الأمن إلى المحاكمة.

في نظر البعض فإن هذه الحادثة المؤسفة جاءت نتاج تعصب رياضي شهدت مصر أبرز حالاته بين أندية منطقة القناة خصوصا المصري والإسماعيلي، وبين الأهلي صاحب الشعبية الأكبر في مصر الذي تتهمه هذه الأندية بأنه يسيطر على البطولات مستفيدا من انحياز مسؤولي اتحاد الكرة وحكام المباريات له في أغلب الأحيان فضلا عن استخدام نفوذه في الحصول على أبرز اللاعبين حتى لو عن طريق الضغط على الأندية الصغيرة أو التحايل على القوانين واللوائح.

 هناك من يرى أن الأمر ليس ناتجا عن تعصب كروي، وإنما هي مؤامرة مكتملة الأركان نفذتها عناصر تابعة للنظام السابق بمساعدة الأمن أو بتواطؤ منه، وذلك على خلفية العلاقة غير الطيبة بألتراس الأهلي

مباراة الكارثة
ويدلل من يرجعون الكارثة إلى التعصب الكروي على ذلك باللافتة الشهيرة التي رفعتها جماهير المصري عام 2007 مكتوبا عليها "بورسعيد مش بتحبك يا أهلي"، ثم باللافتة التي رفعتها جماهير الأهلي خلال مباراة الكارثة وشملت عبارة مسيئة ليس لجماهير المصري وإنما لبورسعيد بأسرها.
 
ويعتبر هؤلاء أن الإعلام الرياضي المنحاز في مصر كان المصدر الدائم للوقود الذي يغذي فتنة التعصب الرياضي في مصر، ويؤكدون أن انحيازه للأهلي خصوصا ولأندية العاصمة القاهرة بشكل عام سبب الإحباط لأندية الأقاليم وخصوصا منطقة القناة التي يشعر أبناؤها أنهم ضحوا كثيرا من أجل مصر خلال حروبها ضد إسرائيل ومع ذلك يتم تهميشهم وظلمهم حتى في منافسات الكرة.
 
في المقابل، هناك من يرى أن الأمر ليس ناتجا عن تعصب كروي، وإنما هي مؤامرة مكتملة الأركان نفذتها عناصر تابعة للنظام السابق بمساعدة الأمن أو بتواطؤ منه، وذلك على خلفية العلاقة غير الطيبة بألتراس الأهلي الذي كان له دور بارز في أحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بالرئيس المخلوع حسني مبارك وبنظامه القمعي المعتمد على أجهزة الشرطة.

ويدلل هؤلاء على ذلك بالهتافات الحادة التي طالما رددتها جماهي الألتراس سواء ضد قيادات الشرطة أو قيادات المجلس العسكري الذي حكم مصر خلال الفترة الانتقالية، وخصوصا في مباريات الأهلي ضد كيما أسوان والمقاولون العرب وغزل المحلة، علما بأن اللقاء الأخير كاد يشهد أحداثا مماثلة لبورسعيد عندما اقتحمت جماهير المحلة أرض الملعب لكن الأمن منعها من العبور إلى ناحية مدرجات الأهلي.
 
وأيا كان سبب المذبحة، فقد فقدت مصر فيها عشرات من أبنائها، ثم فقدت عشرات آخرين بسبب تداعياتها المؤسفة التي أظهرت أن الوفاق بين جماهير كل من المصري والأهلي يبدو بعيد المنال، وأنهم لا يتفقون إلا في شيء واحد هو العداء للشرطة واتهامها بالتآمر عليهم.

المصدر : الجزيرة