التلفزيون السوري الرسمي يشدو بأناشيد جبهة النصرة (الجزيرة نت- أرشيف)
فراس نموس
 
في خطوة أشبه بالسرقة بث التلفزيون الرسمي السوري يوم أمس نشيد "سنخوض معاركنا معهم" التي حدا بها رجال تنظيم القاعدة في أفغانستان والعراق وأنشدها مقاتلو جبهة النصرة في سوريا ورددها مئات المقاتلين الإسلاميين في عملياتهم العسكرية استثارة للعزائم وشحذا للهمم.

وقد فاجأ التلفزيون الرسمي مشاهديه وهو يبث نشيدا في مقدمة أدبيات أكثر الجماعات تطرفا، وفق التصنيف الدولي، وبينهم النظام السوري نفسه الذي يقول إنه يقاتل "الإرهابيين" والمسلحين العابرين للحدود، وهو بهذا يتفق مع الولايات المتحدة في حربها على "الإرهاب" ويفترض أن تكون قوى الغرب معه لأنهم جميعا يواجهون عدوا مشتركا.

ولا تقف المفارقة هنا فنظام الحكم في دمشق يقدم نفسه قلعة للعلمانية لكنه يبث قصائد جهادية ملتجئا للخطاب الديني في الحشد، وهو نظام ينادي بالقومية العربية لكن العرب ألد أعدائه وإيران "الفارسية" حليفته المقربة، ويمنع قيام الأحزاب على أساس ديني ويعاديها في وقت يتحالف فيه مع حزب الله وملاليه.

وقد جاء بث النشيد بعد يوم واحد على فتوى أصدرها مجلس الإفتاء الأعلى تقضي بأن القتال مع الجيش السوري فرض عين وواجب على جميع أبناء الشعب السوري والدول العربية والإسلامية، واعتبر المجلس أن الوقوف في وجه الجيش السوري خيانة "ومساهمة في إضعاف قوته التي أعدت ولا تزال للمعركة الفاصلة ضد الصهاينة ومن يقف وراءهم".

واستشهد المفتون وبينهم د. محمد سعيد رمضان البوطي ومفتي الدولة أحمد حسون بآيات القتال في سورة التوبة التي تعد المرتكز القرآني الذي تعتمده القاعدة في تأصيلها الشرعي للجهاد، بل تشترط بعض "الكتائب الإسلامية" في سوريا على من يريد الانخراط فيها أن يكون حافظا لسورتي الأنفال والتوبة.

 جاء اعتماد النظام العلماني في دمشق على المؤسسة الدينية الرسمية لإصدار فتاوى بفرضية الجهاد على جميع الدول العربية والإسلامية غطاء بصبغة شرعية -كما يقول مراقبون- لدخول مقاتلين من إيران والعراق وحزب الله في لبنان يسجل على أنه استجابة لنداء أطلقه علماء سنة

فتاوى
وجاء اعتماد حزب البعث الحاكم في دمشق على المؤسسة الدينية الرسمية لإصدار فتاوى بفرضية الجهاد على جميع الدول العربية والإسلامية غطاء بصبغة شرعية -كما يقول مراقبون- لدخول مقاتلين من إيران والعراق وحزب الله في لبنان يسجل على أنه استجابة لنداء أطلقه علماء سنة.

وليس بعيدا عن الفتوى مبادرة نسبت لشيوخ في الطائفة العلوية ونشرت على صفحة فيسبوك لأحد رموزها المقتولين حديثا، وتأتي المبادرة في عشر نقاط تنص الأولى فيها على إلقاء السلاح من الجميع وسحب المسلحين والحواجز العسكرية ثم الطلب من كل المسلحين غير السوريين مغادرة الأراضي السورية.

وتشتمل كذلك على اعتبار كل من قتل من السوريين شهيدا، وتفصل الدولة نهائيا عن الأحزاب السياسية وتمنع الجيش من ممارسة السياسة، وتضمن عودة جميع السوريين إلى دورهم دون قيد أو شرط، وتشكل لجنة للمصالحة الوطنية، وفيها إعلان صريح من الرئيس السوري بشار الأسد بعدم الترشح بعد انتهاء مدة حكمه الحالية.

هذه المبادرة المتأخرة والمترددة من الطائفة العلوية -كما يصفها ناشطون- بالإضافة إلى فتوى مجلس الإفتاء والنشيد الجهادي الذي صدح به التلفزيون السوري، ومعها إعلان قيادة الأركان في الجيش السوري التعبئة العامة وحالة النفير العام ودعوة الاحتياط وإلغاء تأجيلات الخدمة العسكرية، وما يقال عن توتر في القرداحة بين العلويين -مسقط رأس النظام- لا يمكن أن تقرأ إلا مجتمعة على أنها السهام الأخيرة في كنانة النظام.

ويأتي مع هذا الغليان العسكري والإفتائي والسياسي التقدم الميداني الذي حققه الجيش السوري الحر على الأرض، فقد خسر النظام مدينة الرقة وسيطرت فيها كتائب الثوار على مخازن هائلة وعتاد كثير، كما تداعى المقاتلون لكسر الحصار عن حمص وبدؤوا بتنفيذ عمليات كبرى في دمشق مع استعصاء مناطق كثيرة محيطة بالعاصمة على النظام، وداريا مثال على ذلك.

هل يعني ما سبق أن النظام مصمم على مواجهة شعبه حتى الطفل الأخير؟ أم هي إشارات لدول معينة كي تضغط على المعارضة باتجاه حل سياسي يحقق فيه بعض المكاسب ولا زال المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي لا يرى غيره حلا للأزمة؟ أو هو خلط متعمد للأوراق؟ فلم يبق أمام النظام -كما علق أحدهم- بعد أناشيد القاعدة وفتاوى الجهاد إلا أن يبايع الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان.

المصدر : الجزيرة