جبهة النصرة آثرت التركيز على العمل الميداني ولم تتدخل في شؤون الناس أو تصطدم مع البيئة المحلية (رويترز)

محمد النجار-عمان

لا تخفي قيادات التيار السلفي الجهادي الأردني استمرارها في دعم تنظيم جبهة النصرة التي يحارب  في صفوفها الآلاف من المقاتلين العرب والسوريين ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وبات الأردنيون يشكلون العدد الأكبر من مقاتليها في جنوبي سوريا وخاصة في مدن درعا وريف دمشق، في حين تقاتل أعداد أقل في حمص وحماة.

ويشير راصدون لعمل الجبهة -التي صنفتها الولايات المتحدة كإحدى جماعات تنظيم القاعدة ووضعتها على قائمة المنظمات الإرهابية- إلى أن الأردنيين باتوا يحتلون المرتبة الثالثة من حيث العدد في صفوف النصرة على مستوى كامل التراب السوري بعد التونسيين والسعوديين، ويأتي العراقيون في المرتبة الرابعة.

بالمقابل يزداد انضمام السوريين للجبهة يوما بعد آخر، إذ يقدر الباحث المتخصص في الجماعات السلفية الجهادية حسن أبو هنية عدد السوريين في صفوف الجبهة اليوم بنحو 1500 مقاتل من مجموع مقاتليها البالغ نحو أربعة آلاف في كافة أنحاء سوريا.

بل يؤكد أبو هنية أن سوريا باتت اليوم أكبر منطقة استقطاب للسلفيين الجهاديين بعد أفغانستان، فإضافة للعرب يقاتل فيها متطوعون من أوروبا والقوقاز رغم وجود ساحات قتال ساخنة أخرى في اليمن والصومال والمغرب العربي.

ولا يستبعد الباحث المتخصص وجود رغبة من دول عربية للتخلص من الجهاديين فيها والزج بهم في ما أسماها "المحرقة السورية"، لكنه يشير لحذر تبديه كثير من الدول في مسألة تسهيل مرور المقاتلين نحو سوريا حتى لا يتكرر سيناريو الأفغان العرب الذي تعاني منه دول عدة حتى اليوم.

أبو هنية:
سوريا باتت اليوم أكبر منطقة استقطاب للسلفيين الجهاديين

تصحيح لأخطاء الماضي
ويرصد أبو هنية ما يراه تصحيحا من جبهة النصرة لأخطاء ارتكبها تنظيم القاعدة إبان قيادة أبي مصعب الزرقاوي ومن بعده في "دولة العراق الإسلامية" في العراق إبان الاحتلال الأميركي.

ويلفت أبو هنية إلى أن قادة الصف الأول في القاعدة كأسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبي يحيى الليبي كانوا قد وجهوا رسائل للزرقاوي وقادة التنظيم في العراق طالبوهم فيها بتصحيح مسارهم وأخطائهم التي أضعفت التنظيم حد التلاشي.

ويشير إلى وجود أوامر صارمة لجنود النصرة بعدم الاحتكاك مع السكان المحليين أو التدخل في نمط حياتهم أو الاصطدام مع المقاتلين الآخرين، مع ضرورة العودة للقيادة للتعامل مع أي شأن أو إشكال، مؤكدا أن قتال جبهة النصرة في الأرياف التي يصنف سكانها كمسلمين محافظين قد ساهم في إيجاد حاضنة اجتماعية تقبلهم وتستوعبهم.

وفي عمان التقت الجزيرة نت بأردنيين عادوا بعد القتال إلى جانب جبهة النصرة، وقد أبلغ أحدهم الجزيرة نت أن المجلس الشرعي للجبهة سمح له بالعودة للأردن بعد إصابته في عملية وصفها بالنوعية خلال اقتحام أحد المواقع العسكرية في محافظة درعا.

وتحدث أبو عمر -وهو اسم مستعار اختاره للتعريف بنفسه- والذي لا يزال يتلقى العلاج، عن اعتقاله من قبل الجهات الأردنية حال عودته، ثم تركه والسماح له بتلقي العلاج، مؤكدا أنه ما زال مطلوبا للمخابرات الأردنية.

وشرح أبو عمر للجزيرة نت ما وصفه باحتضان المجتمع السوري للنصرة، وذلك عبر إخفاء المقاتلين وتوفير كل ما يحتاجون له واحترامهم، مشيرا إلى أن هناك كثيرا من الدروز والمسيحيين الذين يثقون بمقاتلي جبهة النصرة الذين لا يتدخلون بحياة الناس بناء على أوامر قيادتهم.

ويقدر القيادي البارز في صفوف التيار السلفي الجهادي في مدينة معان جنوبي الأردن محمد الشلبي والملقب بأبي سياف عدد الأردنيين المقاتلين في جبهة النصرة بنحو ٣٥٠، بينما يبلغ عدد من قتلوا من الأردنيين في صفوف الجبهة هناك نحو الثلاثين.

مقاتلو النصرة يمتازون بالتنظيم العالي والعمليات النوعية (رويترز)

العودة للأردن تحتاج لموافقة القيادة
وتحدث أبو سياف -الذي قضى نحو عشر سنوات في السجون الأردنية- عن موضوع  الأردنيين العائدين من القتال في صفوف النصرة، فقال إنه لا يسمح لمن يلتحق بصفوف النصرة بترك ما أسماها "ساحة الجهاد"، مشيرا إلى أن من "يترك الجهاد هناك يعتبر فارا من الزحف وفق فتاوى المجلس الشرعي للجبهة"، مؤكدا أن القتال في سوريا اليوم فرض عين على كل مسلم ومن التحق بالقتال ليس مخيرا بتركه إلا بفتوى من المجلس الشرعي الذي لم يفت بعودة سوى عدد محدود لم يتجاوز ١٥ أردنيا لأسباب طبية واجتماعية ضيقة للغاية.

كما يرفض أبو سياف بشدة ما يصفه بالترويج الخاطئ عن أن مقاتلي النصرة الأردنيين هم من غير المتعلمين والفقراء، ويقول "مقاتلونا من طلبة العلم وحملة الشهادات وكثير منهم من ترك أموالا طائلة وراءه ابتغاء إعلاء كلمة الله ونصرة المظلومين".

ويشير قائد ميداني في الجيش السوري الحر بمحافظة درعا للجزيرة نت إلى مستوى التنظيم العالي والقوة على الأرض لمقاتلي جبهة النصرة في جنوبي سوريا، مؤكدا أنهم الأفضل تسليحا في جنوبي سوريا حتى بالمقارنة مع الجيش الحر.

ويؤكد أن النصرة لم تتدخل حتى اليوم في المجتمع السوري أو تسعى لإقامة إمارة أو دولة إسلامية كما يروج الغرب. ويذكر أن مقاتليها ليسوا جزءا من الجيش الحر ولكن أداءهم القتالي ضد قوات النظام ومساهمتهم في حماية المدنيين جعل الناس لا تتحسس من وجودهم أو تشعر بالخوف منهم.

غير أن باحثين وراصدين يرون أن الأسئلة الكبرى عن جبهة النصرة لم تبدأ بعد، وأن الإجابة عليها ستبدأ بعد سقوط النظام السوري، وهذا يشمل دورهم في مستقبل سوريا واحتمالية تكرار النموذجين العراقي والأفغاني في محاولة إقامة دولة إسلامية، أم ترك الخيار للسوريين ليقرروا مستقبلهم بأنفسهم.

المصدر : الجزيرة