جانب من الجلسة الأولى للمؤتمر بحضور الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (الجزيرة)
 
على إيقاع الربيع العربي والتحولات التي فرضت استعادة الأسئلة القديمة بشأن السياسة والأخلاق وافتراقهما والفن ووجهته ضمن واقع جديد يشهد صعودا إسلاميا، عقد المركز الدولي للتشريع الإسلامي والأخلاق مؤتمره الأول بالدوحة تحت عنوان "السياسة والفن في ميزان الأخلاق رؤية واقعية".
 
وشارك في المؤتمر -الذي انتهت فعالياته مساء السبت- سياسيون وعلماء شريعة وفنانون، قاربوا فيه موضوعات السياسة والفن في علاقتها بالأخلاق ضمن الأطر النظرية وفي تداعياتها على الراهن، وحضرته الشيخة موزا بنت ناصر حرم أمير قطر.
 
وشهد مشاركة فضيلة العلامة يوسف القرضاوي، ومرشح الرئاسة المصري السابق عبد المنعم أبو الفتوح ونورمان فلنكستاين، والفنان العالمي يوسف إسلام، ولم يبتعد عن مجمل اهتمامات مديره المفكر طارق رمضان التي نثرها في كتب كثيرة تناول في أحد فصولها الأخلاق والسياسة ضمن المنظور الإصلاحي.
 
طارق رمضان: أشار لضرورة الحذر في التعاطي مع مفهوم الأخلاق على المستوى النظري والعملي (الجزيرة)
أزمات أخلاقية
وفي افتتاح المؤتمر اعتبر جاسر عودة -نائب مدير المركز- أن "العالم المعاصر يعاني من أزمات حادة في كل مناحي الحياة  الإنسانية، وهي أزمات أخلاقية سواء في التصورات غير الأخلاقية والممارسات غير الأخلاقية".

وعرض عودة لمقاصد الشريعة باعتبارها منطلقا للمركز ومنهجا للأسئلة الأخلاقية التي مر عليها، وهي أيضا المنهج والفلسفة ومنظومة القيم ضمن الثورة الأخلاقية التي يتمخض عنها الربيع العربي اليوم.

من جهتها استعرضت الباحثة في المركز زينب الريسوني الإطار النظري والتاريخي لجهود بعض العلماء في دراسة علم الأخلاق، مشيرة إلى رسالة ابن حزم في "مداواة النفوس" والتي تسير وفق منهج النصيحة والاهتمام بالقيم العليا للفضيلة.

ولفتت الريسوني إلى جهود علماء آخرين في الإفادة من جهود فلاسفة اليونان كأفلاطون وأرسطو في وصف طبيعة النفس وملكاتها، ومنهم ابن مسكويه والراغب الأصفهاني وصاحب إحياء الدين أبو حامد الغزالي، ومن المعاصرين نوهت بجهود المفكرين محمد عابد الجابري ومحمد عبد الله دراز وطه عبد الرحمن. تاركة الباب مفتوحا على سؤالين عن المنهجية السليمة لدراسة وعلم الأخلاق في الإسلام. وكيفية ضمان الفتاوى الشرعية للمبادئ الأخلاقية.

وفي معرض إجابته على سؤالي الريسوني، أكد المفكر الإسلامي علي قره داغي، أن الأخلاق ليست قضية جزئية بل هي الغاية المثلى التي بعث الله أنبياءه من أجلها، مشيرا في مقاربته للواقع الإسلامي الراهن إلى أن أزماته هي أخلاقية.

وفي وقت أعرب فيه عن عدم رضى المفكرين والمصلحين للأزمة الأخلاقية وتداعياتها نوه بجهود سابقين ولاحقين في معالجتهم وتأطيرهم النظري لمفهوم الأخلاق بينهم عبد الرحمن الأنصاري، لافتا إلى أن دراسة الأخلاق تحتاج إلى جهد كبير ودونها تحديات كبيرة.

وأوصى بدمج المقاربات السابقة، وإيجاد توازن بين الحقوق والواجبات، مع ادماج التخصصات الغربية في الإدارة ومحاولة فهم أسباب إخفاق المؤسسات الكبيرة في ممارساتها الأخلاقية، داعيا إلى إصلاح أخلاقي يبدأ من الأسفل إلى الأعلى.

جانب من جلسة "الفن والأخلاق" التي حضرها الفنان البريطاني يوسف إسلام (الجزيرة)

قضية كبيرة
من جانبه اختار الأكاديمي الماليزي محمد كمال حسن مقاربة مفهومه للأخلاق وتداعيات غيابه من باب "غياب الشفافية"، مشيرا إلى تقرير الشفافية الدولية عام 2000 فإن قطر وحدها احتلت مكانا متقدما في الشفافية، معرجا على أزمة الفتوى في العالم الإسلامي ضاربا مثالا لها عن رؤية الهلال في العالم الإسلامي وما يتركه من أزمات على مستوى ممارسة العبادات في العالم الإسلامي.

أما العلامة يوسف القرضاوي الذي حظي بالكلمة الأخيرة للجلسة الأولى -كما طلبها حسب الترتيب الهجائي- فكشف عن أن موضوع الأخلاق والتأليف فيه هو ما كان يشغله منذ زمن وصرفه إلى تأجيل التأليف فيه أولويات وانهماكات أخرى.

وقال الشيخ القرضاوي إن قضية الأخلاق قضية كبيرة وأصيلة وليست نافلة، لافتا إلى أن العقائد يعبر عنها بأخلاقيات فالشرك ظلم، والتوحيد عدل كما أن العبادات يعبر عنها بالمفهوم الأخلاقي فـ"الحياء" شعبة من شعب الإيمان" مشيرا إلى الربط بين الإيمان والأخلاق ومستشهدا بالكثير من النصوص الذي تؤكد ما ذهب إليه.

وأشار رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى كتابه التأسيسي بهذا الصدد "دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي" مؤكدا أن كل عمل لا يقترن بالأخلاق لا أهمية له.

وفي الجلسة الثانية عرض كل من الفنان العالمي يوسف إسلام (كات ستيفنس سابقا) والفنانة سلوى الشودري والفنان حمزة نمرة لرؤيتهم بشأن الأخلاق والفن والتي جاءت فاصلا بين جلستين. وشهدت الجلسة الأخيرة استئنافا لموضوع الجلسة الأولى، ودعا فيها د. عبد المنعم أبو الفتوح الدعاة إلى البقاء حراسا على الأخلاق دون تقمص دور السلطة، في إشارة إلى بقاء الحركات الإسلامية في ممارسة دورها الإصلاحي والدعوي.

الباحثة التركية نيلو فرغل تناولت في مداخلتها  النوذج التركي وجدل الإسلام والعلمانية (الجزيرة)

النموذج التركي
وتساءل رئيس حزب "مصر القوية" عمن سيحمي الأخلاق إذا تحول الدعاة إلى ساسة، مشيرا إلى الدور السلبي الذي يتركه توجه الدعاة إلى ممارسة العمل السياسي، مناشدا الحركات الإسلامية المحافظة على وظيفتها الدعوية، حاثا إياها على مراجعة أدبياتها.

ورأى مرشح الانتخابات المصرية السابق أن "أحد أسباب انهيارنا السياسي هو غياب الأخلاق، ليس عندنا بل عند الغرب أيضا" متابعا "عندما تغيب الأخلاق عن السياسة يصبح العالم غابة".

من جانبه عرض المفكر نورمان فيلكستاين -في كلمة عبر سكايب- لغياب الأخلاق الأميركية والإسرائيلية في تعاطيها مع القضية الفلسطينية. وتأسيا بنموذج غاندي في المنهج اللاعنفي دعا فيلكستاين مليون فلسطيني إلى حمل مطرقة وقرار محكمة العدل الدولية ببطلان بناء جدار الفصل العنصري والتوجه إلى الجدار لهدمه.

ورأت البروفيسورة والباحثة التركية نور فرغل في مداخلتها أن المؤتمر جاء ليعطي إجابات تتعلق بمستقبل العالم العربي في ظل الربيع العربي. وعرضت فرغل للنموذج التركي وجدل العلمانية والإسلام في الوطن العربي، مشيرة إلى أن ما يجمع التحركات في الوطن العربي هي أنها حركات شعبية نهض بها أفراد توجهوا إلى الساحات العامة محتجين على الاستبداد.

وفي الكلمة الختامية للمؤتمر عرض مدير المركز الدكتور طارق رمضان إلى الإشكاليات المتصلة بمفهوم الأخلاق في ارتباطه بالممارسة السياسية والفنية، مؤكدا في كلمته على ضرورة الحذر في التعاطي مع مفهوم الأخلاق في إطاره النظري والعملي.

المصدر : الجزيرة