تمثال لمصارع محمول على الأعناق في حلبة المصارعة "لاس فينتاس" (الجزيرة نت)

آمن عجاج-مدريد

تثير مصارعة الثيران جدلا واسعا بإسبانيا، فالبعض يرى أنها رياضة، وآخرون يعتبرونها تراثا وثقافة، في حين عرفها قاموس الأكاديمية الملكية للّغة الإسبانية على أنها فن.

من الأسماء التي تعرف بها مصارعة الثيران بإسبانيا "تاوروماكيا"، وهو اسم ذو أصول من اللغة اليونانية القديمة وينقسم لشقين: "تاورو" وتعني ثور، و"ماكوماي" وتعني مصارعة.

اختلفت المصادر بتحديد بداياتها، فهناك من يقول إنها بدأت بالعصر البرونزي، ويربطها آخرون بالإمبراطورية الرومانية، وإنها دخلت إسبانيا على يدي الإمبراطور كلاوديوس.

واتخذت مصارعة الثيران طقوسها وصورتها الحالية بالقرن الثاني عشر الميلادي، وامتدت ممارستها لدول بأميركا وأوروبا، لكن بعض الدول مثل البرازيل والأرجنتين، أوقفت مصارعة الثيران بعد  الجدل الواسع الذي أثاره المدفعون عن حقوق الحيوان.

وتجدر الإشارة إلى أن نشاط مصارعة الثيران لا يتمثل بالاستعراض المقدم بالحلبة فحسب، بل إنه يحرك أيضا قطاعات أخرى من النشاط الاقتصادي، تبدأ من اختيار سلالة ثور المصارعة وتربيته، وتصميم وحياكة وتطريز ملابس المصارعين والمشاركين بالاستعراض، والتي تصل قيمة الواحد منها إلى آلاف اليوروات، ونشر وإعلان مباريات مصارعة الثيران والبث التلفزيوني والسياحة.

هوية وتقاليد
من وجهة نظر مدير الاتصالات بشركة تاوروديلنا -التي تدير عددا من حلبات المصارعةـ فإن المصارعة هي إحدى العادات والتقاليد الأكثر كلاسيكية بالثقافة الإسبانية، وأنها موروث حضاري عريق يتجاوز عمره آلاف السنين.

خوسيه ماريا بافيانو (الجزيرة)

ولا ينكر خوسيه ماريا بافيانو أن المصارعة تتضمن تضحية "طقوسية" بحيوان، وهو الثور الذي يرمز للقوة والجمال والشجاعة والقدرة على مواجهة الإنسان، غير أنه رأى أنها تمثل بالمقابل المواجهة بين القوة والذكاء، ونزالا بين الشجاعة والمهارة.

ورفض بافيانو وصف البعض للمصارعة على أنها "مذبحة دائمة"، مؤكدا أن ثور المصارعة لا نظير له في سلالات الماشية، وأنه لا يوجد بالطبيعة إلا بفضل مربي الماشية المتخصصين بثيران المصارعة، "الذين انتقوا سلالتها عبر القرون، وربوها لهذا الغرض".

ودافع عن ما يجري بالمصارعة قائلا "هناك دماء تسيل بالاستعراض، لكن دماء مئات ملايين الحيوانات تسيل بالعالم من أجل الاستهلاك أو الرفاهية أو التغذية أو تجارة الجلود، وإذا قيل إن الثور هو الحيوان الوحيد الذي يعاني بسبب هذه الطقوس، فإن ذلك يعد نوعا من النفاق".

وذهب بافيانو لوصف مصارعة الثيران على أنها ثقافة، لأنها أدت لتطور أنشطة فنية عديدة استلهمتها، من بينها أعمال أدبية وموسيقية ورسومات ومنحونات.

كما أشار إلى شعبية مصارعة الثيران بإسبانيا، حيث تشهد بين 1200 و1300 استعراض احترافي وأكثر من 15 ألف احتفال شعبي، موضحا أن نحو 25 مليون تذكرة تباع سنويا لمشاهدة المصارعة، وأن احتفالات "سان إيسيدرو" التي تقام بمدريد تشهد امتلاء حلبة المصارعة يوميا لشهر كامل، وهو أمر لا يحدث بأي نشاط رياضي أو ثقافي بإسبانيا.

وطالب باحترام نشاط مصارعة الثيران، الذي قال إنه يمثل ثقافة وتراثا، وقال إنه في ثمانينيات القرن الثامن عشر كانت تموت جياد أكثر من الثيران بالاستعراض، نظرا لأنها كانت تدخل الحلبة بلا حماية، أما الآن فإن احترام الحيوان هو "أحد أسس شعائر مصارعة الثيران".

تيو أوبارهوبر (الجزيرة نت)

دعوات رافضة
بالمقابل ذكرت مسؤولة تنسيق حملات منظمة "مدافعون عن البيئة في فعالية" التي تضم بعضويتها أكثر من 300 جمعية بإسبانيا، أن مصارعة الثيران كانت تضم تقليدا يمارس بالبلاد منذ أعوام طويلة، وأنها نشاط يقوم على سوء معاملة الحيوانات، إذ إنها تقوم على تربية الحيوان ثم تعذيبه حتى الموت ليستمتع بعض الناس برؤية ذلك.

ورأت تيو أوبارهوبر أن التقاليد التي يجب المحافظة عليها هي التي تقدم قيما ثقافية للمجتمع، أما التي لا تعني إلا سوء المعاملة والعنف فيجب أن تختفي وأن يرفضها الجميع، كما شددت على رفض منظمتها للتمويل الرسمي لهذا النشاط.

وأكدت أن معارضي المصارعة ليسوا أقلية بالمجتمع، وأن الإحصاءات الحديثة تشير إلى أن 80% من المواطنين يرفضونها، وأن عدد مشاهدي المصارعات يتناقص بشكل مستمر، مشيرة إلى أن مشجعي هذا الاستعراض تزيد أعمارهم عن خمسين عاما، وأن 90% من الشباب يرفضونه.

وأعربت على قناعتها بأن منظمتها ومؤيديها سيكسبون معركتهم، ضد منظمي المصارعات،  في يوم ما.

المصدر : الجزيرة