التفجيرات هزت أرجاء متفرقة من دمشق ومحيطها بعد أن تحولت بعض مناطقها إلى ساحة معركة (الأوروبية-أرشيف)

يشعر الكثيرون في دمشق بأنهم محاصرون بين سلطة غير محبوبة تمثلها أسرة الأسد الحاكمة منذ 43 عاما وبين الثوار الزاحفين على أبواب المدينة التي حوّل القتال أجزاء من ضواحيها الخارجية المترامية الأطراف التي يسكنها أكثر من 1.5 مليون نسمة إلى ساحة معركة.

ورغم أن نحو 70 ألف سوري قتلوا منذ بدء الاحتجاجات قبل نحو عامين، فقد ظلت مناطق وسط العاصمة لفترة طويلة بعيدا عن الصراع، لكن هذا الوضع يتغير مع اختراق خطوط الجبهات، في وقت تقوم قوات النظام ومليشيات الشبيحة الموالية له بتعزيز الحماية حول قاعدة سلطته. أما السكان فقد فروا من منازلهم في الضواحي ويقيمون الآن في مخيمات في حدائق بوسط المدينة.

وفي الأسبوع الماضي انفجرت ثلاث سيارات ملغمة وسط دمشق فقتلت عشرات الأشخاص، وبعد ساعات سقطت قذائف هاون على حي المالكي -أغنى أحياء العاصمة- حيث يقيم العشرات من المسؤولين الكبار في الحكومة ومن التجار الأثرياء. وسقطت إحداها قرب منزل وزير الخارجية وليد المعلم وهو على بعد دقائق سيرا على الأقدام من المسكن الخاص للرئيس نفسه. كما سقطت قذائف أخرى على مبنى كان مملوكا في السابق لرفعت عم الأسد والمقيم في المنفى حاليا.

لكن من يعيشون في تلك الضواحي يعتبرون هذه الهجمات متنفسا للاستياء المتصاعد بين الفقراء السنة في الضواحي بسبب ما يعتبرونه تعاطفا مع الرئيس بشار الأسد من جانب وسط المدينة الثري ليس فقط من جانب العلويين الذين ينتمي إليهم وإنما أيضا من جانب الأسر التجارية السنية الغنية.

ويقول سائق سيارة أجرة ينحدر أصلا من الضواحي الخارجية ويعيش حاليا لاجئا فيما يعتبرها دمشق الأصلية "عليك أن تنتظر لترى ما سيفعله الثوار عندما يدخلون دمشق لو دمروها كلها فلن يكون هذا كافيا".

وقال رجل آخر من ضاحية حرستا التي تعرضت للدمار أيضا إن "أي نهب لمنزل من منازل الأغنياء في وسط المدينة سيكون حلالا". وأضاف "لا يعرفون ما جرى لنا دمرت بيوتنا عن آخرها، هل تعرف كم أسرة قتلت في بلدتي وكم امرأة وكم طفل وكم مسن؟".

وقد دعا المعارضون المسلحون أكثر من مرة سكان وسط دمشق للانضمام إليهم حتى وإن كان ذلك فقط بأن يديروا ظهورهم بشكل أكثر حزما تجاه النظام من خلال عصيان مدني.

يلخص أحد سكان دمشق المأساة قائلا "قوات الأسد تواصل القمع لكن المأساة الحقيقية هي أن مقاتلي المعارضة يكرهوننا أيضا"

خيبة أمل
ويشعر كثيرون بخيبة الأمل حتى تجاه من سيرحبون بالتغيير من أهل المدينة لأنهم يقدمون الخوف من الثورة على كراهيتهم للرئيس بشار للأسد.

وفي هذا السياق، قال رجل أعمال من منتقدي الرئيس إنه لمس مشاعر الازدراء تجاهه عندما زار مصنع الأحذية المملوك لعائلته في معقل للمعارضة المسلحة بضواحي العاصمة، وقال "سألتهم لماذا سمحوا بحدوث كل عمليات الخطف والقتل هذه أمام أعينهم" وذلك بعدما أفلت شقيقه من محاولة خطف. وأضاف "قالوا لي نحن نحمي أنفسنا أما الغرباء فليسوا هم مشكلتنا، مجتمع الأغنياء ليسوا مشكلتنا".

كما عكست تعليقات شخصيات المعارضة على وسائل التواصل الاجتماعي مشاعر الاستياء تلك تجاه الأثرياء، وقال أحدهم "اللهم أذقهم ما نحن فيه". وقال آخر "الدمشقيون يواصلون الذهاب إلى أعمالهم وإرسال أبنائهم إلى المدرسة كل يوم كما لو أن الحياة طبيعية تماما بينما يموت بقيتنا، إنهم يستحقون ذلك".

غير أن سكان العاصمة يشعرون أيضا بأنهم محاصرون من جانب حكومة حولت مدينتهم إلى ثكنة عسكرية واستعانت بمليشيات من المناطق الريفية العلوية لفرض الأمن.

ثكنة عسكرية
وتبدو دمشق بالفعل منذ شهور كحامية عسكرية حيث يمكن أن يتجاوز عدد أفراد الأمن في بعض الأحيان عدد المشاة بالشارع، ودائما ما يضايقونهم. ويشكو أب لطفلين من سكان دمشق قائلا "لم أعد حتى أشعر بالأمان في البيت قد تسير القوات الحكومية ببنادق آلية لكن قاذفات صاروخية يمكن أن تطير قذيفة هاون أو قنبلة عبر النافذة في أي لحظة.. إنه أمر يبعث على السخرية".

وفي مشهد آخر، تتنقل مليشيات الشبيحة الموالية للحكومة في البلدة متمتعة بالحصانة من العقاب، وتحمل مسدسات أو بنادق كلاشينكوف يقطعون إشارات المرور الحمر دون اكتراث بالمشاة ويقطعون أي صف ليقفوا في المقدمة.

ومن الخطر مغادرة البيت ليلا، بل إن مهام بسيطة مثل الذهاب إلى الصيدلية باتت صعبة. وبعد انفجار قنبلة في يوليو/تموز الماضي أسفر عن مقتل صهر الأسد، بدأت السلطات مداهمة العيادات والمستشفيات الخاصة لملاحقة أطباء يعالجون جرحى من المعارضة.

ولاذت الأطقم الطبية بالفرار، وأصبح هناك معلم ثابت حاليا بكل صيدلية تقريبا في المدينة ألا وهو ضابط من أمن الدولة يجلس وراء طاولة البيع يراقب الداخلين والخارجين من الزبائن بحثا عن أي علامة على مساعدتهم للمعارضين.

ولخص أحد سكان دمشق المأساة قائلا "قوات الأسد تواصل القمع لكن المأساة الحقيقية هي أن مقاتلي المعارضة يكرهوننا أيضا".

المصدر : رويترز