أبو رياض داخل منزله وبيده مفتاح بيت والده لا يزال يحتفظ به (الجزيرة نت)

وديع عواودة-المشهد

جميل عرفات أبو رياض يدخل هذا العام الثمانين من عمره، لكنه يستأنف عمله كل صباح بجهد النملة في توثيق التاريخ الفلسطيني وصيانة الذاكرة الوطنية.

عرفات ابن قرية المشهد قضاء الناصرة داخل أراضي 48 باحث في التاريخ، وهو من المؤرخين الذين يولون الرواية الشفوية أهمية كمصدر لكتابة التاريخ لجانب الوثائق والأرشيفات خاصة بالحالة الفلسطينية، في ظل نهب المكتبات وعمليات التهويد الجارية.

بعد إصداره سلسلة كتب في تاريخ قضية فلسطين، ينكب أبو رياض على إعداد الجزء الثاني من كتابه "المشهد في الذاكرة والقلب" وهو تاريخ وطنه الصغير، قريته المشهد. ويعتمد هذه المرة على دفاتر يوميات دونّها أحد أبناء قريته الذي سجّل بخط يده كل ما شهدته القرية يوميا في خمسين مفكرة.

مكتبة فلسطينية
أبو رياض -الذي أنهى دراسة التاريخ والجغرافيا في جامعة حيفا- يوضح للجزيرة نت أنه اعتاد على القراءة والكتابة يوميا منذ عقود وأنه يشعر بالفقدان والضيق حينما يمر يوم لا يقرأ ولا يكتب داخل مكتبته العامرة.

أبو رياض خلال جولات ميدانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 (الجزيرة نت)

ويحرص أبو رياض على إثراء مكتبته بالكتب الفلسطينية، فهو دائم الزيارة لمعارض الكتب، ويقول إنها تصله من أصدقائه وأقربائه في الدول العربية كـ"موسوعة أعلام فلسطين" التي وصلته من الأردن قبل أيام.

وبقدر القراءة تأتي الكتابة إذ صدر له حتى الآن 17 كتابا طبع معظمها على نفقته الخاصة اعتمادا على مرتب تقاعده بعد عمله مربيا طيلة نحو أربعة عقود، لعدم توفر مؤسسات ثقافية تعنى بدعم الكتاب والباحثين.

لكن عرفات الذي تبدو مضافة منزله متحفا تراثيا لا يكتفي بتدوين الرواية الشفوية وكتابة التاريخ الفلسطيني فهو يعنى بنقل وتعميم الذاكرة الوطنية من خلال برنامج أسبوعي تبثه إذاعة "الشمس" من مدينة الناصرة بعنوان "ذاكرة الوطن" منذ عشر سنوات.

جولات
وتتجلى قدرات أبي رياض وحيوية ذاكرته خلال قيادته مجموعات من الشباب والمهتمين في جولات ميدانية في القرى الفلسطينية المهجّرة منذ 1948 وتلك المحتلة منذ 1967.

من ضمن هذه الزيارات صاحبناه في منطقة قضاء غزة حيث أطلع مرافقيه على تدمير معظم قراه أمثال سدود، ومجدل عسقلان، وحمامة، والفالوجة وجولس وغيرها وتحول أهلها للاجئين في القطاع.

ولا يكتفي بالملامح العامة للقرية بل روى ما قرأه وسمعه عن حياة أهلها قبل النكبة، خلالها وبعدها، مستحضرا اعترافات يهودية بجرائم الصهيونية ويعدد أسماء شهداء كثر وكأنه يغرف من بحر غزة.

وخلال زيارة أخرى لقرية الكابري المدمرة قضاء عكا استذكر أبو رياض كيف قطع ثوار المنطقة طريق قافلة مقاتلين صهاينة كانت تتجه نحو قلعة جدين التاريخية لمد مستوطنة إسرائيلية بالرجال والعتاد وقتلوا نصف رجالها.

وفي حين يعزو المؤرخ عارف العارف الفضل في نجاح المعركة لجيش الإنقاذ وأهالي الكابري يقول جميل عرفات إن ذلك تم بفضل بسالة ثوار قرية الكويكات القريبة، ويضيف متوددا "حتى لو غارت الكابري فالفضل يعود لشباب الكويكات".

وبجوار جدول غزير ومطحنة قمح تاريخية استراحت المجموعة في أفياء شجرة بلوط وارفة وكان أبو رياض يروي قصصا تراثية نسجت حول الطاحون التراثي.

يشدّد أبو رياض على التسميات الفلسطينية للمواقع التي استبدلت بها تسميات عبرية والعائلات التي سكنت معظم القرى المهجّرة ويحرص على سرد رواية المكان بكل ما فيه، وهو حاضر الإجابة فما أن تذكر قرية حتى يعدد عائلاتها وحمائلها.

أبو رياض (يمين) شغوف بالذاكرة الجماعية (الجزيرة نت)

ويقول عرفات -وهو والد لعشرة أبناء- إن غصة تصيبه حينما يشهد استبدال تسميات عبرية بأسماء المواقع الفلسطينية، غير أنه مطمئن لبقاء الذاكرة الجماعية لدى أصحابها.

حب الوطن
ويوضح أبو رياض أن حب الوطن لدى الأجيال أشبه بزرع نبتة يحتاج نموها وبقاؤها للرعاية الدائمة، ويشير لحيوية بناء رابطة وجدانية بين الإنسان وموطنه بعدة وسائل تربوية وتثقيفية منها ربطه بتاريخه وتراثه من خلال زيارات ميدانية وحفظه مسميات بلاده، واستشهد بقول الشاعر الراحل محمود درويش "الأرض تورث كاللغة".

ويتساءل جميل عرفات قائلا "ما زالت الصهيونية تدأب على تنشئة جيل مرتبط بالبلاد وتعزيز جاهزيته للقتال من أجلها من خلال تغذيته بروايات معظمها أساطير، فكيف لا نحتفظ نحن بروايتنا الحقيقية؟".

أما أسرار شغفه الكبير بالذاكرة الجماعية فمتعددة وأقدمها حبه للجغرافيا والتاريخ والطبيعة، كما يقول مبتسما. وتدلل شهاداته المدرسية من فترة الانتداب البريطاني على تفوقه بها.

كما يعود اهتمامه بذاكرة الوطن لكونه رياضيا ومسؤولا عن الكشافة وتأليف كراسات عن مساراتها في الطبيعة، إضافة لعلاقات القربى والصداقة مع مهجرين فلسطينيين كعائلة أخواله المهجرين من قرية ندور التي عرفها في صباه وقبل تدميرها عام 1948 يوم كان لوالده قسيمة أرض وبيت ما زال يحتفظ بمفتاحه.

المصدر : الجزيرة