من المظاهرات التي خرجت تنديدا بتصريحات الوزير الفرنسي (رويترز)

ماهر خليل

احتدم الجدل في تونس مؤخرا بعد تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس اعتبرها البعض تدخلا سافرا في الشأن الداخلي للبلاد وتذكيرا بحقبة الاستعمار، في حين قال آخرون إن الأزمة زوبعة في فنجان ولا تتعدى أن تكون شعبوية واستغلالا للمشاعر الوطنية.

الأزمة بدأت بعد تعليق إذاعي على خلفية اغتيال المعارض التونسي البارز شكري بلعيد قبل نحو أسبوعين، قال فيه فالس إن تونس لم تكن نموذجا للربيع العربي بسبب "دكتاتوريتها الفاشية الإسلامية"، وإن باريس لن تتهاون في دعم الديمقراطيين لضمان عدم خيانة القيم التي قامت من أجلها ثورة الياسمين.

وقوبلت هذه التصريحات بردة فعل من قبل رئيس الحكومة التونسية المستقيل حمادي الجبالي الذي استدعى السفير الفرنسي بتونس فرانسوا غويات ليبلغه بأن ما قاله مواطنه يعد "تدخلا سافرا" في شؤون تونس الداخلية. من جهته ندد وزير الخارجية رفيق عبد السلام بالتصريحات، قائلا إنها اتسمت "بعدم التوازن والحياد"، وإن الحكومة التونسية "رأت فيها موقفا غير ودي لتونس".

وفي السياق، يقول الكاتب والجامعي التونسي سامي براهم إن فالس أثبت تحيزا صارخا تجاه جزء بعينه من المشهد السياسي التونسي، في إشارة إلى مناوئي الترويكا الحاكمة، مما أعطى الانطباع بأن باريس تعمل على فرض ميولاها على الناخب التونسي حسب قوله.

براهم ألقى باللوم على ما أسماها
النخبة الفرنكفونية التونسية (الجزيرة)

دعم المعارضين
وأكد براهم في حديثه للجزيرة نت أن فرنسا لم تثق في الأحزاب التي أفرزتها صناديق الاقتراع في انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، كما تجاهل ساستها اختيارات الشعب بتقديم الدعم لرموز المعارضة.

يذكر أن حزب حركة النهضة ذي التوجه الإسلامي فاز بأغلب المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي المكلف بإعداد دستور جديد للبلاد بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي مطلع 2011، وقد تقاسمت الحكم مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات.

وألقى براهم باللوم على ما أسماها النخبة الفرنكفونية التونسية التي تعتمد عليها باريس في فهمها للسياسة التونسية، مشيرا إلى أنها نخبة تابعة لفرنسا سياسيا وثقافيا إلى حد أن بعض أعضائها طالبوا بالتدخل الفرنسي المباشر لإنقاذ البلاد.

يشار إلى أن مواهب مصباح ممثلة حزب "الوطنيون الديمقراطيون الموحد" الذي يتزعمه الراحل بلعيد في فرنسا طالبت في تصريح صحفي بتدخل عسكري فرنسي في تونس مشابه لما تفعله في مالي بهدف حماية الديمقراطية من الإسلاميين.

يذكر أيضا أن مظاهرات مساندة للترويكا الحاكمة أعقبت اغتيال بلعيد ورفعت شعارات منددة بتصريحات فالس وما وصف بالتدخل الفرنسي في الشؤون الداخلية لأصغر دول شمال أفريقيا، والتي نالت استقلالها من المستعمر الفرنسي عام 1956 بعد 75 عاما من دخوله البلاد.

المزوغي قال إن قياديي النهضة استغلوا المشاعر الوطنية لتأجيج غضب الشارع (رويترز)

تدعم وتؤوي
من جهته يقول القيادي في حزب حركة نداء تونس المعارض عبد العزيز المزوغي إن فرنسا كانت تدعم وتؤوي قبل الثورة عتاة معارضي نظام بن علي، وبينهم الرئيس الحالي منصف المرزوقي وعضوة حركة النهضة محرزية العبيدي التي تحمل الجنسية الفرنسية وتشغل حاليا منصب نائب رئيس المجلس التأسيسي.

وقال في حديثه للجزيرة نت إن أغلب من يكيلون الشتائم لفرنسا اليوم يدرّسون أبناءهم في مدارس وجامعات فرنسية، مطالبا قياديي حركة النهضة بالذات بتجنب الخطاب المزدوج واستغلال الشعبوية والمشاعر الوطنية لتأجيج مشاعر الغضب في الشارع وتحقيق مآرب سياسية.

وأكد المزوغي الذي استنكر تصريحات فالس أن حكام تونس الجدد يستعملون الأسلحة ذاتها لبن علي الذي كان يساوم معارضيه بتهمة الاستقواء بالأجنبي على حساب الوطن، مشيرا إلى أن اتهام فرنسا بمحاباة العلمانيين أمر لا أساس له من الصحة، لأن جميع التونسيين مسلمون، ومصطلح "علماني" مصطلح دخيل على تونس ومستورد من الشرق.

وتحتضن فرنسا التي تبعد مسافة ساعتين بالطائرة عن تونس أكثر من 600 ألف مهاجر تونسي، وتعد أول مستثمر أجنبي البلاد خاصة في المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وهي أيضا أول ممول أوروبي وأول شريك اقتصادي لتونس التي يعاني اقتصادها ركودا ملحوظا بعد الثورة.

يذكر أن الحكومة الفرنسية زمن حكم الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الذي تربطه علاقة صداقة شخصية وثيقة ببن علي، لم تكن من مساندي "ثورة الحرية والكرامة" التي كانت سببا في أزمة بحكومة فرانسوا فيون بسبب مطالبة وزيرة الخارجية آنذاك ميشال إليو ماري بدعم بن علي لقمع المظاهرات ضده.

المصدر : الجزيرة