تونسي يشارك في مظاهرة رافعا لافتة منددة بالوجود الفرنسي بتونس (الجزيرة)
أحمد الجنابي-تونس
 
قال مراقبون في العاصمة التونسية إن هناك توجها سياسيا في تونس لتخفيض مستوى الاندماج في الفرنكفونية والانفتاح على ثقافات أخرى ورفع مستوى وجود اللغة الإنجليزية في البلاد، التي ما زالت تستخدم اللغة الفرنسية بكثافة توازي اللغة العربية رغم خروج المستعمر الفرنسي منها منذ أكثر من خمسة عقود.
 
ويحظى هذا التوجه بدعم شعبي من قطاع لا يستهان به من الشعب التونسي، وينقسم الداعمون له إلى نوعين: الأول يدفعه عدم الارتياح لنفوذ فرنسا في بلاده وبالتالي لا يرغب في استخدام لغة مستعمر محتل، والثاني براغماتي يرى أن تقوقع التونسيين داخل اللغة الفرنسية حرمهم من فرص كثيرة على المستوى الاقتصادي والتعليمي والمهني.

وقد استغل عدد من الشباب التونسي المظاهرات التي خرجت الأسبوع الماضي بعيد اغتيال السياسي التونسي شكري بلعيد، ليرفعوا لافتات تندد بفرنسا ونفوذها وتأثيرها في الشأن التونسي.

المصمودي: هناك رغبة لدى الكثير من صناع القرار للانفتاح على العالم (الجزيرة)

نطاق ضيق
ومن الناحية البراغماتية، يقول الناشط الحقوقي والسياسي محمد زياد إن "الاعتماد الكامل على اللغة الفرنسية في تونس حصر التونسيين في نطاق ضيق، وجعلهم غير قادرين على التواصل مع العالم. فكما كانت اللغة العربية يوما ما لغة العلم والتجارة، باتت اللغة الإنجليزية اليوم هي لغة العلم والتجارة، وعدم الإلمام بها يعد أمرا سلبيا".

ولا يمكن لأي زائر لتونس أن يخطئ مدى تغلغل اللغة الفرنسية بين التونسيين، حيث يبادر الكثيرون منهم إلى التحدث بها قبل أن يفكروا بالعربية.

أما ما يقرؤه المرء من أسماء محلات أو لوحات استدلال الطرق أو الإعلانات فجميعها تكتب باللغة العربية إلى جانب الفرنسية، وفي بعض الأحيان بالفرنسية فقط، ولا يستثنى من ذلك حتى مباني الدولة السيادية.

وتحدثت الجزيرة نت بهذا الخصوص إلى أحد المهتمين وهو رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية رضوان المصمودي الذي كان أحد المرشحين لمنصب سفير تونس في الولايات المتحدة.

يقول المصمودي "أستطيع القول إن هناك رغبة لدى الكثير من صناع القرار في تونس للانفتاح على العالم بصفة عامة، وهذا يتطلب أن يتعلم التونسيون اللغة الإنجليزية.. نحن منذ الاستقلال لا نعرف إلا لغتين العربية والفرنسية، وهذا يحد من قدرة التونسيين -خاصة رجال الأعمال والفكر- على التواصل، حيث إن كل الندوات والمؤتمرات والورشات في العالم هي غالبا باللغة الإنجليزية لا بالفرنسية".

ورأى أن التمسك باللغة الفرنسية أصبح يعيق النمو والتقدم، بل ويساهم في ارتفاع نسبة البطالة، حيث يعتقد أن هناك 400 إلى 500 ألف تونسي جلهم من أصحاب الشهادات وكان يمكن أن يحصلوا على فرصة عمل لو كانوا يتقنون اللغة الإنجليزية.

أما أحد الدبلوماسيين في السفارة الفرنسية بالعاصمة التونسية، وردا على سؤال عما إذا كان دبلوماسيو السفارة قد شعروا بتوجه حكومي إلى التملص من عباءة الفرنكفونية، فأجاب "لسنا في موقف دفاعي بهذا الصدد، ونعترف أن اللغة الإنجليزية أوسع انتشارا في العالم من اللغة الفرنسية، وندرك أنه من الأفضل للتونسيين أن يتعلموها، ولكن هذا الموضوع لن يكون سهلا، حيث يمكنك أن ترى كم هي متغلغلة اللغة الفرنسية في كل شيء هنا".

كما أرجع الدبلوماسي الفرنسي رغبة القيادة السياسية التونسية في الميل أكثر نحو اللغة الإنجليزية إلى قضاء عدد من قيادات المعارضة التونسية السابقة مثل رئيس حزب النهضة الحاكم راشد الغنوشي سنوات منفاهم في بريطانيا والولايات المتحدة، وقال إنه من الطبيعي أن يكون لحكومات هذه البلدان ولغتها حضور أكثر بعدما أصبح منفيو الأمس حكاما.
دبلوماسي فرنسي:
ندرك أن من الأفضل للتونسيين أن يتعلموا الإنجليزية، ولكن هذا الموضوع لن يكون سهلا حيث يمكنك أن ترى كم هي متغلغلة اللغة الفرنسية في كل شيء هنا

مسؤولية الأنظمة السابقة
ونفى المصمودي الذي يحمل الجنسية الأميركية ما تردد على لسان الدبلوماسي الفرنسي، وقال إن عددا قليلا فقط من قيادات حزب النهضة كان في بلدان تتحدث الإنجليزية، وإن معظم المعارضين السابقين كانوا يقيمون في فرنسا.

وأضاف أن "الأمر لا يتعلق بالولايات المتحدة وبريطانيا، فنحن كدولة جديدة بعد الثورة نريد أن نبني اقتصادنا وننفتح على القوى الاقتصادية الصاعدة، فإذا أردنا أن ننفتح على الصين -القوة الاقتصادية التي لا يستهان بها- علينا أن نعرف الإنجليزية، والأمر نفسه ينطبق على الهند وماليزيا وغيرهما".

كما أرجع المصمودي تغلغل اللغة الفرنسية وارتهان السوق التونسية للاقتصاد الفرنسي إلى ممارسات الأنظمة التونسية السابقة التي قال عنها إنها كانت تستجيب لضغوط فرنسية لمصالح خاصة، مثل عدم استيراد السيارات اليابانية لضمان سيطرة مصنعي السيارات الفرنسيين على السوق التونسية.

من جهة أخرى تحدثت الجزيرة نت إلى مدرّسة تونسية تدرس اللغة الإنجليزية للمرحلة الثانوية فرأت أن الإنجليزية لم تستقطب بعد اهتمام الطلبة التونسيين.

وقالت المدرسة -التي طلبت أن تقدم باسم مريم دون اسمها الثاني- إن "المشكلة تكمن في الجيل السابق الذي تعلم في مدارس تدرّس باللغة الفرنسية، حيث ترسخ لديهم أن الفرنسية لغة أرستقراطية، وقد تربى أولادهم أيضا على هذه الفكرة. وعندما يخرج الأولاد من المدرسة إلى الشارع يرون الفرنسية هي اللغة المستخدمة، وفي ظل عدم وجود من يرسخ في عقولهم أهمية اللغة الإنجليزية لمستقبلهم، لن يقبل أولئك الطلبة على تعلم هذه اللغة إلى جانب لغتهم العربية، لأن من طبع المراهق ألا يدرك الأبعاد المستقبلية للأمور ويعيش ليومه وحاضره فقط".

وقد اعترف المصمودي بصعوبة المهمة، وقال إن هذا التوجه قد لا يثمر قريبا وسيحتاج إلى ما لا يقل عن عقدين للتوصل إلى نتائج بهذا الصدد.

واتصلت الجزيرة نت بعدد من قيادات حزب حركة النهضة، لكنها لم تتمكن من الحصول على تعليق منهم حول الموضوع.

المصدر : الجزيرة