الجفاف أدى إلى نفوق المواشي في جيبوتي (الجزيرة نت)
 
محمد عبد الله-جيبوتي
 
دقت حكومة جيبوتي قبل نحو أسبوع ناقوس خطر الجفاف الذي ازدادت حدته في الفترة الأخيرة في مجمل أقاليم البلاد، وأطلقت الحكومة نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي لتقديم حوالي 70 مليون دولار أميركي لتقليص معاناة ضحايا موجة الجفاف، محذرة مما وصفتها بكارثة إنسانية محققة إذا لم يحصل المنكوبون الذين يعصف بهم التغير المناخي على المساعدات الإنسانية اللازمة من المجتمع الدولي في أقرب وقت ممكن.

وقدر مكتب برنامج الغذاء العالمي في جيبوتي عدد المتضررين بموجة الجفاف، التي تجتاح البلاد في الوقت الحالي، بنحو 300 ألف فرد من بينهم 91 ألفا من المهاجرين واللاجئين الذين قدموا من الدول المجاورة، خصوصا الصومال وإثيوبيا.

وأكد أن هناك تداعيات تعمق الأزمة الإنسانية في جيبوتي، نجمت عن الانقطاع المستمر للأمطار لسنوات عديدة، والارتفاع الهائل لأسعار المؤن الغذائية الأساسية، وضعف القدرة الشرائية لدى شريحة كبيرة من المجتمع، وتدفق اللاجئين الفارين من الصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية في بلدانهم، فضلا عن ضآلة المعونات المقدمة من الجهات المختلفة مما لا يتناسب وحجم الأزمة، في حين تزداد حاجة هؤلاء المنكوبين بشكل يومي إلى الغذاء والماء بالإضافة إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية. 
                                                               
وتعاني جيبوتي في السنوات الست الأخيرة -على غرار دول منطقة القرن الأفريقي- من تداعيات الجفاف الحاد الذي يضرب مختلف المحافظات بقوة مما أثر كثيرا على حياة المواطنين خصوصا سكان المناطق الريفية -المزارعين والبدو الرحل- الذين تدهورت أوضاعهم المعيشية بشكل كبير في الآونة الأخيرة جراء الآثار السالبة المترتبة على ظاهرة التغير المناخي مع تراجع المساعدات الإنسانية.

وكانت تقديرات أممية أشارت العام الماضي إلى أن أكثر من 12.4 مليون نسمة بحاجة ماسة إلى الغذاء في القرن الأفريقي، وأوضحت مسؤولة الإغاثة في الأمم المتحدة فاليري آموس حينها أنه في حال عدم معالجة الأزمة فإنها ستتفاقم وتتعقد وتصبح أسوأ.

الجفاف أضعف ما تبقى من المواشي
(الجزيرة نت)
إغاثة المتضررين
ولتفعيل نداء الحكومة المذكور، اجتمع رئيس الوزراء دليتا محمد دليتا بممثلي وكالات الأمم المتحدة الشركاء في المجال الإنساني في جيبوتي، ودعاهم إلى المساهمة في تقديم المبلغ المذكور للإسراع في إغاثة المتضررين بهذه الكارثة الطبيعية الذين يواجهون خطر الموت بعد نفوق المواشي التي كانت مصدر رزقهم الوحيد.

وفي أول رد فعل إزاء طلب الحكومة تقديم الدعم الإنساني، تعهد مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في جيبوتي بتقديم منحة مالية بقيمة 17.6 مليون دولار تكرس لدعم المؤسسات والجهات الوطنية الفاعلة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز مقاومة المجتمعات المحلية لأخطار التغير المناخي.

ومن جانبه شرع مكتب برنامج الغذاء العالمي خلال الأسبوع الحالي في توزيع هبة مكونة من مجموعة من الإبل على الرعاة الذين عصف القحط بمواشيهم في مجمل الأقاليم، وذلك بالتنسيق مع وزارة الزراعة والثروة الحيوانية في جيبوتي، في مسعى لوضع حد للمعاناة التي يقاسونها منذ سنوات عديدة، هذا إلى جانب توزيع مؤن غذائية عليهم.

ويرى الأمين التنفيذي لإدارة المخاطر والكوارث بوزارة الداخلية أحمد محمد مطر أن الأوضاع المأساوية الحالية في المناطق الداخلية من البلاد امتداد لأزمة حلت بمنطقة القرن الأفريقي برمتها منذ نحو خمسة أعوام، مضيفا أنها تسبب في إضعاف شريحة كبيرة من المجتمع في المدن والأرياف.

وأوضح مطر في حديث للجزيرة نت أن الجهود منصبة الآن على تعزيز السبل الكفيلة بتمكين المجتمعات المتضررة من التكيف مع التغير المناخي، وخفض الآثار السلبية له من خلال وضع إستراتيجية فعالة تهدف لإخراج الوطن مما وصفها بالمعضلة الطاحنة.

ولفت مطر إلى أن الوضع في المناطق المتضررة معقد جدا ولا يحتمل مزيدا من الانتظار، داعيا مجمل الأطراف المعنية من الشركاء المحليين والمنظمات غير الحكومية إلى توحيد الجهود والرؤى لاتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة الأزمة التي طال أمدها قبل أن تتحول إلى مجاعة قد لا تبقي ولا تذر.
                                                     
محمود بله أشار إلى أن بعض المساعدات الإنسانية قد تصل بعد فوات الآوان (الجزيرة نت)
فوات الأوان
أما الناشط المجتمعي محمود بله فقد اعتبر تدخل المنظمات الإنسانية لمساعدة الأهالي، الذين ألم بهم الجفاف في جيبوتي، بسيطا ولا يرقى إلى مستوى حجم المشكلة.
 
وأشار بله إلى في حديث للجزيرة نت إلى أن بعض المساعدات الإنسانية ربما تصل بعد فوات الأوان في بعض الأحيان, مؤكدا أن على جميع الجهات المعنية الإيفاء بالتزاماتها وتعهداتها إزاء ضحايا التغير المناخي في جمهورية جيبوتي والمنطقة عموما.

وأبدى بله خشيته من تردي الأوضاع الإنسانية أكثر فأكثر -وتحديدا في الأرياف والقرى النائية- إذا ظلت استجابة المجتمع الدولي ضعيفة، مضيفا أن أوضاع النازحين الذين تركوا مناطق سكناهم في البادية ولجؤوا إلى المدن لم تتحسن بعد.

بدوره يتخوف الإعلامي محمد شيخ أبو بكر -الذي يقطن في محافظة علي صبيح بجنوب البلاد وهي إحدى المناطق المتأثرة بالجفاف بشدة- من تفاقم أوضاع الأهالي في المنطقة إذا تأخرت عنهم المساعدات الغذائية الضرورية كالأرز والسكر والدقيق والزيت.

ولفت أبو بكر في حديث للجزيرة نت إلى أن بعض المنظمات المحلية والعالمية تحاول فعلا بين الحين والآخر إغاثة المتضررين وتقديم الدعم الإنساني إليهم كل على حدة، لكن ليس بإمكانها تغطية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة يوما بعد يوم خاصة مع غياب التنسيق الفعال فيما بينها وامتداد رقعة الجفاف.
                                         
وأكد أبو بكر على ضرورة أن تتضافر جهود جميع الأطراف من أجل تخفيف حدة تداعيات هذه الكارثة الطبيعية المتكررة على الأسر الفقيرة وذوي الدخل المحدود، مضيفا أن هذه الظاهرة تتكرر في كل سنة تقريبا في مثل هذا الوقت -مما يُجبر الكثيرين من ضحاياها النزوح إلى المدن الكبرى بحثا عن لقمة العيش- وأن المطلوب هو وضع حلول واقعية ومستدامة لتفادي الآثار المدمرة التي يخلفها في كل مرة.

المصدر : الجزيرة