جانب من الدمار الذي طال مدينة دوما بريف دمشق (الجزيرة نت)

دمشق-خاص بالجزيرة نت

أصبح النهار المشمس ينذر بيوم سيئ بالنسبة لأهالي دوما في ريف دمشق، لأنه يترافق مع الطلعات الجوية وقصف طائرات الميغ. ورغم الدمار الهائل الذي حل بالمدينة، فإن بضعة آلاف من السكان الذين عادوا يسعون جاهدين لاستعادة شيء من الحياة التي كانت تسري فيها.

وقد تجولت الجزيرة نت في دوما الواقعة تحت سيطرة الجيش الحر حيث لا يمكن التوقع متى وأين سيكون القصف، وأي خسائر بشرية أو مادية ستخلف، إذ سقطت العديد من القذائف على مقربة منا خلال وجودنا بالمدينة، وكان لافتا أن البعض يمشون في الشوارع وسط الدمار لقضاء حاجاتهم والابتياع من الدكاكين القليلة المفتوحة، رغم معرفتهم المسبقة أنه يمكن لقذيفة أن تودي بحياتهم في أي لحظة.

وفي رد فعل لا شعوري يهرعون إلى أقرب جدار حين يسمعون صوت القصف، وعندما يتأكدون أنهم نجوا هذه المرة أيضا يتابعون سيرهم وكأن شيئا لم يكن.

يتهكم كثيرون من أنهم كانوا يفزعون من صوت الرصاص في بداية الثورة، والآن أصبحوا لا يأبهون بقصف صواريخ الطائرات.

العيش تحت القصف
ولا يبدو منطقيا أن يعيش مدنيون تحت القصف وألا تتوافر لهم أي نوع من الحماية إزاء قذائف لا تستثني العزل من الأطفال والنساء والشيوخ، لكن أهالي دوما مثل سائر المناطق في سوريا مجبرون على هذا.

القصف المتواصل على مدينة دوما
يكبدها خسائر فادحة (الجزيرة نت)

قال ياسر -أحد الناشطين في المدينة- معلقا على ذلك، إنه عندما يتأمل قدرة الأهالي على التعايش مع هذه الظروف يشعر كأن الأمر أقرب إلى معجزة، وأن ذلك يتطلب منهم الكثير من الشجاعة.

لكن أفراد عائلة أبي خالد التي زارتها الجزيرة نت أبدوا تمسكا قويا بالبقاء في البيت، بعدما تجرعوا مرارة النزوح مرتين عن المدينة، وقالت الابنة "أفضل الموت تحت القصف في بيتي على التشرد خارجه".

فالأماكن التي نزحوا إليها لم تكن آمنة أيضا، وجابهوا فيها البرد والجوع في مزرعة دون نوافذ وأبواب وبلا كهرباء. ظروف النزوح الصعبة أجبرت العائلة التي لديها ثلاثة أطفال صغار دون العاشرة من عمرهم، على الرجوع للعيش تحت القصف في دوما.

إنه حال بقية العائلات التي رجعت أيضا والتي تفتقر إلى المتطلبات الأساسية للحياة، وأولها الحد الأدنى من الأمان، فهؤلاء اتخذوا قرارهم بعدم الخروج من منازلهم إلا إذا تحولوا إلى جثث محمولة على الأكتاف.

فالمزيد من القبور تحفر يوميا في المدينة لتواري الضحايا من هؤلاء، ومؤخرا بدأ الأهالي دفن قتلاهم في مقبرة جديدة بعدما امتلأت القديمة.

ظروف سيئة
أصوات القذائف لم تتوقف عندما كانت أم خالد تتحدث للجزيرة نت عن مدينتها وعن الشهداء والمعتقلين والمبعدين من عائلتها، وعن مشاركاتها في المظاهرات منذ بداية الثورة، وقالت إنها لا تملك الآن سوى التضرع من أجل سلامة أسرتها وأولادها الصغار الذين تقلق عليهم بشدة.

أطفال دوما يعيشون تحت خطر القصف والقتل (الجزيرة نت)

وأشارت إلى أن تأمين سبل البقاء على قيد الحياة ليس بالأمر السهل خلال الحرب، فدوما تفتقر إلى الوقود والكهرباء والماء والأغذية، وقالت إنهم يواجهون البرد بما يجدونه من مواد قابلة للاحتراق.. "نجمع قطع الأخشاب وأحيانا الأكياس والأحذية، ونعتمد بشكل كبير على خزانات المياه البلاستيكية التي كسرت بفعل القصف، ونضع كل تلك الأشياء في المدفأة ونشعلها".

وأردفت أم خالد أنهم يخضعون أنفسهم لتقشف شديد في استهلاك المياه، إذ لا يمكن ملء الخزانات دون مضخة كهربائية.

من جانب آخر يحاول كل طفل التأقلم مع الأوضاع الصعبة التي يعيشها حسب عمره وقدراته، فلا يتاح للصغار وسائل للتسلية أو اللعب في ظل خطورة الخروج من البيت وقلة السكان ونزوح معارفهم وأقاربهم، وتقول والدتهم إنهم محتجزون في البيت منذ شهور.

ولا يجد أصغرهم وعمره سنتان سوى اللعب بجنود من البلاستيك يصنفهم بين جيش حر و"أسديين". أما بدر الابن الأكبر (10 أعوام) فيشارك مع بعض رفاقه في تنظيف الشوارع رغم أنها تقصف مجددا وتمتلئ بالركام، فقد أضحى من الشائع رؤية صبية صغار حصلوا على عربة أدوات تنظيف من البلدية ليكنسوا الطرقات في ظل غياب عمال النظافة.

المصدر : الجزيرة