في فرنسا حيث توفي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قبل تسع سنوات بصورة غامضة، يسود صمت مريب حول ملف التحقيق بموته مسموما بمادة بولونيوم 210 حسبما أفاد خبراء سويسريون.

صمت مريب يسود فرنسا حول ملف التحقيق بموت عرفات (الجزيرة-أرشيف)

محمد العلي-باريس

في فرنسا حيث توفي قبل تسع سنوات الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بصورة غامضة, يسود صمت مريب حول ملف التحقيق بموته مسموما بمادة بولونيوم 210، حسبما أفاد خبراء سويسريون.

ويتواصل هذا الصمت منذ فتح تحقيق في أغسطس/آب 2012  بناء على شكوى سهى عرفات -أرملة الزعيم الراحل. واستمر مع استخراج عينات من رفاته لفحصها  في نوفمبر/تشرين الثاني 2012, وصولا إلى تاريخ صدور التقرير الفرنسي قبل يومين.

صمت الأجهزة القضائية العاملة على الملف أمر متعارف عليه نظرا لتقاليدها المعروفة بهذا الصدد, ونظرا لأن التحقيق الذي أسند إلى ثلاثة قضاة مستقلين في محكمة نانتير غرب باريس, وليس إلى النيابة العامة الخاضعة لسلطة وزير العدل.

وقضاة التحقيق في فرنسا هم سلطة تخشاها السلطة التنفيذية, وسبق أن أثير جدل في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي حول إمكانية إيجاد تعديل يحد من نفوذهم.   

لكن ما كان لافتا هو غياب أي تعليق من القصر الرئاسي ووزارة الخارجية الفرنسية بشأن مضمون تقرير فحص الرفات. وهو صمت مستغرب ونادر حيال قضية تثير اهتماما كبيرا في الشرق الأوسط، حسبما أفاد مراقب إعلامي عربي يعمل في باريس.

مدخل محكمة نانتير غرب باريس حيث قدمت الشكوى في موت عرفات (الجزيرة نت)

حيرة
لكن ضعف أو انعدام تغطية وسائل الإعلام الفرنسية المسموعة والمرئية والمكتوبة للتحقيقات أو للتقرير حتى تسريب خلاصته عبر وكالة الصحافة الفرنسية أثار الحيرة لدى العديد من المراقبين.

لم تتابع هذه الوسائل لا نبش قبر عرفات, ولا سفر المحققين الفرنسيين إلى رام الله واستجوابهم لبعض الذين عملوا مع عرفات, بحضور مسؤولين من السلطة الفلسطينية وموافقتها.

المصدر الوحيد حول هذه المعلومات كان في حينها قناة الجزيرة ووكالة رويترز البريطانية.

أما الصمت المواكب لعملية الكشف عن مضمون التقرير فكان هو الحدث. لم تظهر أية وسيلة إعلام فرنسية في المشهد. في حين كانت الجزيرة تواكب سهى عرفات منذ إبلاغ محاميها بأن التقرير الفرنسي على وشك الصدور.

وما أن أتت الخلاصة المسربة حتى "هرعت" بالمعني الحرفي للكلمة أكثر من 30 وسيلة إعلامية فرنسية مكتوبة ومرئية ومسموعة إلى مكتب المحامي بيار أولفييه سور بقلب باريس. وبث خبر ردة فعل سهى عرفات التي عبرت فيها عن صدمتها بالتقرير وخلاصاته, وتناقضها مع  مضمون التقرير السويسري, ليبث الخبر, ويسود الصمت من جديد.

موقف يشبه ما كان سائدا في الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية الأخرى الخاضعة له قبل الحرب الباردة. لا أحد يتحدث سوى القائد أو الوزارة المعنية. ولا صوت يسمع إلا صوت إعلام الحزب الحاكم. 

مصدر قضائي عربي مقرب من الملف وصف فرنسا بوضعيتها الراهنة بـ"جمهورية فرنسا الديمقراطية الشعبية"، في إشارة ساخرة إلى الدول الأوروبية السابقة التي كانت تسير في فلك موسكو قبل انهيار جدار برلين عام 1989.

تحفظ دبلوماسي
ويرى المحلل السياسي خطار أبو دياب أن الصمت الرسمي الفرنسي مرتبط بما يسميه التحفظ الدبلوماسي.

وأوضح أبو دياب -وهو أستاذ جامعي مقيم بباريس- أن المعلومات المتعلقة بوفاة عرفات قد تنظر إليها السلطات الفرنسية باعتبارها أسرار دولة ينبغي عدم الكشف عنها قبل انكشاف فترة زمنية معينة.

ويضيف أن الامتناع عن الإدلاء بتصريحات في الموضوع قد يكون الهدف منه أيضا تفادي الدخول في ما سماها معركة قبل الأوان.

أبو دياب: فرنسا قد تنظر للمعلومات المتعلقة بوفاة عرفات باعتبارها أسرار دولة (الجزيرة-أرشيف)

واستطرد أبو دياب قائلا إن استقبال فرنسا لعرفات في 2004 ربما يكون قد حصل بعد علم باريس بأن الرئيس الراحل تعرض لعمل عدائي كان السبب في مرضه، وأنها كانت تريد التقليل من المضاعفات المحتملة على عملية السلام في الشرق الأوسط التي كان سيحدثها الإعلان عن تعرض عرفات لعملية اغتيال بواسطة التسميم.

ويضيف أن الفرنسيين حريصون على العناية بعرفات وتكريمه قبيل وفاته وبعيدها, لأنهم ظلوا في العقدين اللذين سبقا وفاته ينظران إليه باعتباره الزعيم الفلسطيني الأقرب إليهم, والأقدر على إبرام اتفاق لحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.

وقد اتصلت الجزيرة نت عدة مرات بمكتب الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية وسألته عما إذا كان لديه تعليق على نتائج التحقيق الفرنسي. وقد وعدنا المكتب بالرد على السؤال, إلا أنه في النهاية لم يفعل.

المصدر : الجزيرة