القوات المالية الحكومية المسنودة فرنسيا سيطرت بسهولة على معظم أراضي البلاد (رويترز-أرشيف)

أمين محمد

لم يكن 2013 عاما عاديا في تاريخ مالي الحديث، ففيه استعادت الدولة سيطرتها على الجزء الأكبر من أراضيها، وفيه عادت الروح مرة أخرى إلى هياكل الدولة ومؤسساتها الدستورية، وفيه أيضا تمكن ساسة البلاد بدعم فرنسي من وضع يد الدولة على جزء مما يعرف بمحمية الحاكم العسكري السابق أمادو سونغو.

بدأ العام المنقضي على إيقاع الحرب، ففرنسا المستعمر السابق قدمت بخيلها ورجلها وهيلمانها وعتادها ليس "لاحتلال" البلاد هذه المرة، وإنما لـ"تخليصها" و"تحريرها" من "احتلال" الجماعات الإسلامية المسلحة التي كانت قد بسطت سيطرتها قبل نحو عام على نحو ثلثي مساحة البلاد، وتقدمت -قبل ذلك بأيام فقط- جنوبا لتوسيع نفوذها وقضم جزء جديد من التراب المالي.

كانت المؤشرات تدل على أن الحرب لن تكون سهلة، وأن فرنسا ومن حالفها من الجيوش الأفريقية توشك أن تغوص في رمال متحركة، وتتورط في حرب معلومة البداية ولكنها مجهولة النهاية، وربما خطيرة التداعيات والآثار.

ما فاجأ الجميع هو سرعة تراجع المجموعات المسلحة وإخلاء المدن والبلدات التي كانت تسيطر عليها، وهو ما أعطى دفعا معنويا وسياسيا قويا للتحالف العسكري الذي قادته فرنسا في مالي، وقلل من الخسائر البشرية والمادية في صفوفه.

وبعد مرور أشهر عديدة، كانت وحدات الجيش المالي المدعومة بإسناد جوي وبري واسع من الفرنسيين تتولى السيطرة دون قتال في الغالب على المدن الثلاث الكبرى بالشمال تمبكتو وغاوة، ولاحقا كيدال التي تأخر دخول الجيش المالي لها بسبب تمركز وحدات عسكرية تابعة للحركة الوطنية لتحرير أزواد فيها، وهي الحركة التي تحالفت مع الفرنسيين ودعمت التدخل العسكري في مالي.

أخلت الجماعات المسلحة كل المدن التي سيطرت عليها العام الماضي (الجزيرة)

صحيح أن الجماعات المسلحة أخلت مواقعها التقليدية في شمال مالي، وأن الحكومة تنفست الصعداء بعد عودتها إلى أرضها المسلوبة، ولكن الكثيرين يعتقدون أن الجماعات المسلحة ما زالت قادرة على إلحاق الأذى وربما إثارة الرعب في أجزاء معتبرة من صحراء مالي المترامية الأطراف، وهو ما تؤكده الاشتباكات وعمليات الاغتيال والتفجير التي تشهدها المنطقة من حين لآخر.

مكاسب مالية
ولئن كانت مالي قد حققت أو استفادت على الأقل مما تعتبره انتصارا عسكريا على الجماعات المسلحة، فقد حققت خلال السنة الجارية أيضا ما تعتبره مكسبا سياسيا هاما يتمثل في انتخابات رئاسية جاءت برئيس جديد للبلاد، بعد جولتين انتخابيتين حاسمتين خلال يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين، أعقبتهما انتخابات تشريعية نظمت في الشهرين الأخيرين.

ويبدو أن الرئيس المنتخب إبراهيم أبو بكر كيتا الذي يوصف بالرجل الحديدي والذي دخل الانتخابات تحت عنوان كبير "المصالحة" عاقد العزم على استعادة "هيبة" الدولة المفقودة، فسرعان ما حل لجنة إصلاح الجيش التي يسيطر عليها أعضاء بالمجلس العسكري الحاكم سابقا، ثم اعتقل لاحقا رئيس اللجنة النقيب (الذي رقي فيما بعد إلى رتبة جنرال) سونغو وعددا من مرافقيه بعد احتجاجات جرت في محيط قاعدة كاتي العسكرية التي انطلق منها انقلاب 2012.

ويعتقد أنصار كيتا أن إكمال تنصيب المؤسسات المنتخبة (الرئاسة والبرلمان) واستعادة هيبة الدولة وتقويض محمية سونغو -جنوبا- يمثل بالتوازي مع حرب الشمال أهم الرهانات التي على الحكومة الجديدة كسبها بسرعة، حتى تتفرغ لمعركة البناء، واستعادة مكانة مالي الخارجية، وتجربتها الديمقراطية التي كان ينظر إليها باعتبارها إحدى أفضل التجارب الديمقراطية بالقارة الأفريقية قبل أن يباغتها النقيب سونغو بانقلاب أودى بحياتها، وفتح المجال أمام تفكك البلاد واستيلاء الجماعات المسلحة على الجزء الأكبر منها.

مفاوضات الشمال
ولئن كانت الانتخابات مرت بسلام، وجرى اعتقال سونغو ومرافقيه بسلام أيضا، فإن التحدي الأهم وربما الأزلي والقادم لحكومة مالي هو وضع "أقاليمها الشمالية" التي ما فتئت تحاول السيطرة عليها سلما وحربا خلال العقود الماضية.

يعتقد أنصار كيتا أن إكمال تنصيب المؤسسات المنتخبة واستعادة هيبة الدولة وتقويض محمية سونغو يمثل بالتوازي مع حرب الشمال أهم الرهانات التي على الحكومة الجديدة كسبها بسرعة، حتى تتفرغ لمعركة البناء، واستعادة مكانة مالي الخارجية

ورغم النجاح الذي حققته القوات الفرنسية والمالية والأفريقية بطرد مقاتلي الجماعات الإسلامية من المدن والبلدات الكبيرة بالشمال، تمهيدا لنشر قوات أممية تولت مهامها في مايو/أيار الماضي، فإن هذه الجماعات مازالت تضرب من حين لآخر في مناطق ومواقع مختلفة من الشمال.

ولا تنشر قوات السلام الأممية حاليا إلا حوالي 50% من القوات الضرورية، أي حوالي ستة آلاف رجل معظمهم من الدول الأفريقية من أصل 12 ألف رجل تقرر إرسالهم إلى مالي، في حين ما زالت فرنسا تحافظ على 3200 جندي، وكان يفترض خفض هذا العدد إلى حدود الألف مع نهاية العام.

ورغم أن الاتفاق الذي وقعته الحكومة المالية مع حركات مسلحة أخرى طوارقية وعربية في يونيو/حزيران الماضي في بوركينا فاسو فسح المجال أمام مشاركة سكان الشمال بهذه الانتخابات، فإنه لم ينجح في نزع فتيل الصراع وإعادة الثقة بين حركات التمرد والحكومة، حيث تبادل الطرفان أكثر من مرة الاشتباكات بالسلاح أحيانا، وبالاتهام أحيانا أخرى.

ولم تنجح -حتى الآن- الضغوط والمطالبات الفرنسية لهذه الحركات بتسليم أسلحتها والدخول في حوار مع الحكومة المالية في إقناع هذه الحركات بالجنوح إلى السلم، والثقة بوعود الحكومة المالية الجديدة، بل تعتقد هذه الحركات أن الحكومة الجديدة غير جادة في تحقيق السلم ومد يد العون لسكان الشمال، وتسوية مطالبهم التاريخية العادلة في حكم ذاتي أو أي وضع مشابه يتفق عليه الطرفان ويلبي رغبات السكان ولا يقوض أركان الدولة المالية.

المصدر : الجزيرة