قوة من الجيش اللبناني في أحد الشوارع (الجزيرة)

علي سعد-بيروت

لم تجد الهبة التي قدمتها المملكة العربية السعودية إلى لبنان بقيمة ثلاثة مليارات دولار لمساعدة جيشها -الذي يعتبر المؤسسة الوحيدة التي تحظى بإجماع داخلي- قبولاً داخلياً كبيراً منذ أعلن عنها رئيس الجمهورية ميشال سليمان يوم الأحد الماضي.

وقد حامت كثير من الشكوك والأسئلة بشأن وجهة تلك الهبة والهدف منها في هذا التوقيت.

وإذا كانت أولى النُذُر رسائل سياسية عبر وسائل إعلامية تحذر من أن يكون تسليح الجيش يهدف إلى رفع جاهزيته لمواجهة حزب الله في الداخل ومن ثم وضعه وجهاً لوجه مع المقاومة، فإن هذه النظرية وُوجهت بالكثير من التشكيك لعدة أسباب أبرزها العلاقة الجيدة بين الجيش والمقاومة، إضافة إلى تمسك أصحاب القرار السياسي بإبقاء الجيش مؤسسة جامعة بين اللبنانيين.

تحليل سخيف
ويرى مستشار رئيس الجمهورية الوزير الأسبق خليل الهراوي أن الكلام عن الوقيعة بين الجيش والمقاومة لا يتعدى كونه تساؤلات إعلامية فيها "الكثير من سوء الظن والتحليل السخيف غير المستند إلى وقائع سياسية"، مشدداً على أن لا أحد في لبنان يريد أو له مصلحة في الإيقاع بينهما.

وأضاف الهراوي للجزيرة نت أن الجيش ليس فرداً بل قيادة وضباطاً وعناصر يجتمعون في مؤسسة هي انعكاس للنسيج الوطني اللبناني، وأن القرار بالمواجهة مع المقاومة غير وارد عنده.

بدوره يرى المحلل الإستراتيجي، العميد المتقاعد إلياس حنا، أن الشكوك حول المكرمة السعودية تأتي من ضمن الانقسام السياسي الحاصل في لبنان.

وأكد حنا أن الجيش غير قادر بكل الأحوال على الحسم في وجه المقاومة، وهو بحاجة لغطاء سياسي، والمكرمة وُجِّهت له لأنه المؤسسة الوحيدة التي لا تزال جامعة، مضيفاً أن المواجهة مع حزب الله قد تؤدي إلى انفراط عقد الجيش لأن "الضباط الشيعة الموجودين داخله لن يقبلوا بهذه المواجهة".

 حطيط يضع ثلاثة سيناريوهات للغرض من الهبة السعودية (الجزيرة)

ثلاثة سيناريوهات
في المقابل، يرسم الخبير العسكري العميد المتقاعد أمين حطيط، ثلاثة سيناريوهات للهبة السعودية، يقوم السيناريو الأول على تعزيز القدرات الدفاعية للجيش بتقديم منظومات دفاعية برية وبحرية وجوية، لكنه يشكك في إمكانية حصوله لأن الأموال سعودية والأسلحة فرنسية، وهاتان الدولتان هما الحليفتان الرئيسيتان اليوم لإسرائيل، على حد زعمه.

ويستند السيناريو الثاني على تقديم أسلحة لمواجهة العمليات الإرهابية وحفظ الأمن في الداخل، وهي قد تشمل طائرات مروحية وعربات مصفحة وأجهزة اتصال متطورة. وهنا يرى حطيط أن خطورة هذا الموضوع تكمن في تحويل هذه الأسلحة من مواجهة الإرهاب الى الصدامات الداخلية والاحتكاك مع المقاومة.

وقال إن الرياض سبق أن طلبت من الرئيس سليمان وضع الجيش في مواجهة الحزب "وهو ما سيجعل المساعدة نوعاً من الرشوة للداخل، ولفرنسا في نفس الوقت لكي تبقى على تأييدها للموقف السعودي في سوريا".

أما السيناريو الثالث الأكثر ترجيحاً بالنسبة لحطيط فيقوم على أن الموضوع كله تسويق وترويج إعلامي وإعلاني لمساعدات لن تصل كما حصل مع الهبة الروسية والعروض الإيرانية، "وهي تهدف إلى الضغط الداخلي من أجل تشكيل حكومة وإظهار المملكة التي تدعم أطرافاً داخلية بمظهر الحليف الكريم".

الهراوي: الهدف من الهبة شدّ أزر الجيش اللبناني (الجزيرة)

مواجهة إسرائيل
ويعتقد كثيرون أن ربط الهبة السعودية بأسلحة فرنسية يعني أن الجيش اللبناني لن يكون قادراً على الحصول على أسلحة نوعية تخوله مواجهة إسرائيل في أي حرب قادمة.

وفي هذا السياق، يؤكد العميد حنا أن الحصول على أسلحة بثلاثة مليارات دولار لا يمكنه تغيير المعادلات العسكرية في المنطقة خاصة مع إسرائيل، كون الصفقة لن تشمل طائرات مقاتلة وحاملات طائرات على سبيل المثال، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال سيذهب إلى المؤسسات الاستشارية وعمليات التدريب.

وقال إنه حتى لو وصلت الأسلحة الفرنسية غداً فإنها ستحتاج على الأقل لمدة سنة ليصبح بالإمكان استعمالها، وهي في أحسن الأحوال قد تشمل دبابات هجومية لا تغير معادلات، فيما سيكون الجزء الأكبر منها أسلحة تقليدية موجودة أصلاً لدى الجيش اللبناني.

من جهته، يلفت خليل الهراوي مستشار الرئيس إلى أن من ضمن المهام الملقاة على عاتق الجيش إلى جانب مواجهة إسرائيل، العديد من المهمات في الداخل التي عليه أن يضطلع بها، وعلى رأسها الإرهاب المستورد والجماعات المتطرفة والمسلحة إضافة إلى مراقبة المخيمات الفلسطينية وحفظ الأمن في أكثر من محافظة، والعمل مع قوة المراقبة الدولية في جنوب لبنان (اليونيفيل) على طول الخط الأزرق لضمان تطبيق القرار 1701.

ويرى الهراوي أن هدف السعودية وفرنسا من هذه المساعدات هو شد أزر الجيش اللبناني للقيام بهذه المهمات كلها. 

المصدر : الجزيرة