متظاهرون في هونغ غونغ يتضامنون مع إدوارد سنودن (الفرنسية-أرشيف)

    ياسر العرامي-واشنطن

 

كثيرة هي الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية خلال العام 2013، لكن الحدث الأبرز الذي لا يزال تأثيره وتداعياته مستمرة حتى الآن هو هروب موظف الاستخبارات الأميركي إدوارد سنودن إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية وبحوزته كم كبير من الوثائق السرية التي تكشف تفاصيل عمليات وكالة الأمن القومي الأميركية التجسسية وقيامه بتسريبها إلى الصحافة.

 

وفتح سنودن بابا لمسلسل من الكشوفات عن عمليات التجسس الأميركية السرية على الحلفاء والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وبيانات الاتصالات لتصبح وكالة الأمن القومي الشغل الشاغل للناس في أرجاء كثيرة من العالم خلال الأشهر الماضية.


وأدت سلسلة التسريبات التي تتوالى منذ مغادرة سنودن بلاده إلى اليوم، إلى إثارة القلق بشأن نطاق عمليات الوكالة وقدرتها على التطفل على الشؤون الخاصة للأفراد وعلى اتصالات زعماء أجانب بينهم حلفاء مقربون من الولايات المتحدة.

 

استياء من الوثائق
وقد واجه الكشف عن إجراءات تجسس وكالة الأمن القومي الأميركية موجة استياء شعبي كبيرة في العالم وفي الولايات المتحدة نفسها، حيث خرجت مظاهرات احتجاجية عديدة تطالب الوكالة بوقف تدخلها في خصوصيات الناس.

وبدأت القصة في يونيو/حزيران الماضي حينما نشرت صحيفتا الغارديان وواشنطن بوست وثائق تكشف عن قيام وكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الاتحادي بمراقبة شركات الإنترنت الرئيسية في الولايات المتحدة الأميركية عبر برنامج سري يسمي "بريزم" واستخلاصها تسجيلات صوتية ومرئية وبيانات من البريد الإلكتروني ووثائق أخرى تساعد المحللين لديهما على تعقب تحركات واتصالات الأشخاص.

وأثار هذا الكشف موجة انتقاد واسعة داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، لما في ذلك من تعد على الخصوصية الشخصية، لكن أحدا لم يكن يعتقد أن هذا الكشف لم يكن سوى رأس جبل الجليد الذي لم يظهر بعد، فقد توالت بعد ذلك التسريبات، لتبلغ مداها وتكشف عن أن للوكالة الأميركية ثمانين موقعا حول العالم لملاحقة كل صغيرة وكبيرة وكشفت عن تجسس واشنطن على زعماء 35 دولة، منهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيسة البرازيلية ديلما روسيف.

 سنودن: ما قمت به كان لحماية الحريات الأساسية للناس (الفرنسية)

جدل حول سنودن
أما موظف الاستخبارات السابق إدوارد سنودن الذي أعلن في مقابلة مصورة مع صحيفة الغارديان البريطانية في يونيو/حزيران الفائت بأنه مصدر تسريب تفاصيل برنامج التجسس الأميركي، فقد تعهد بمواصلة الكشف عن المزيد من الوثائق السرية التي يملكها.

 

وعزا سنودن (29 عاما) الذي كان يقيم في هونغ كونغ قبل انتقاله لروسيا بأنه ما قام به كان بدافع من ضميره "لحماية الحريات الأساسية للناس في شتى أنحاء العالم"، مضيفا أنه فعل ذلك لأنه شعر أن الولايات المتحدة تبني آلة تجسس سرية لا يمكن محاسبتها تتجسس على جميع الأميركيين.

وكان قد دخل سنودن في أعقاب الإعلان عن هويته في مأزق حينما سارعت واشنطن لإلغاء جوازه الأميركي وظل عدة أسابيع محتجزا في مطار موسكو قبل أن تقرر روسيا منحه اللجوء.

على الصعيد المحلي الأميركي، خلفت عمليات الكشف عن التجسس على شبكات الإنترنت والاتصالات حالة انقسام في الشارع بين مؤيد ومعارض لهذه الإجراءات، خصوصا بعدما قدمت الإدارة الأميركية توضيحات بأن ما يجري من عمليات مراقبة هو فقط يهدف لحفظ أمن واستقرار البلاد.

وطال الجدل سنودن نفسه، فهناك من وصفه بالبطل الذي جازف بحياته وراحته من أجل الدفاع عن مبادئ الحرية التي تأسست عليها أميركا، بينما رآه آخرون مجرد خائن سبب ضررا للأمن القومي الأميركي ويستحق العقاب.

يسعى الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن لوضع قوانين تحد من نقل البيانات إلى الولايات المتحدة الأميركية وأي دول أخرى، بينما تقدمت ألمانيا والبرازيل بمشروع قانوني للأمم المتحدة لمكافحة التجسس

أزمات دبلوماسية
وإلى جانب ما خلفته التسريبات من توتر في علاقات واشنطن بالدول التي تم التجسس عليها، فإن توترا آخر لحق بعلاقاتها مع موسكو بسبب منح الأخيرة سنودن حق اللجوء، وعلى إثر ذلك ألغى الرئيس الأميركي باراك أوباما لقاء مع نظيره الروسي كان مقررا في سبتمبر/أيلول الماضي.

من جهتها، أرجأت رئيسية البرازيل ديلما روسيف زيارة رسمية إلى واشنطن كانت مقررة في 23 سبتمبر/أيلول، وذلك اعتراضا على برامج التنصت الأميركية.

أما في فرنسا وألمانيا فقد أثار التجسس الأميركي غضبا شديد وهددت الدولتان بمراجعة العلاقات مع واشنطن كما حذرتا من نتائج التجسس عليهما.

في المقابل وفي إطار محاولتها لتهدئة التوترات التي نجمت عن وثائق سنودن بعلاقاتها الدبلوماسية مع الكثير من الدول، تعهدت واشنطن بالحد من عمليات التنصت على الحلفاء وإدخال إصلاحات تحد من هذه العملية.

كما أعلن باراك أوباما عن طلبه من وكالة الأمن القومي اتخاذ إجراءات من شأنها طمأنة الأميركيين بأن الوكالة لا تنتهك خصوصياتهم.

ويرى محللون أن واشنطن لا يمكنها بسهولة إعادة ترميم الشرخ الدبلوماسي مع حلفائها، فعلى إثر تداعيات التنصت الأميركي يسعى الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن لوضع قوانين تحد من نقل البيانات إلى الولايات المتحدة الأميركية وأي دول أخرى، بينما تقدمت ألمانيا والبرازيل بمشروع قانوني للأمم المتحدة لمكافحة التجسس ولا تزال السنة المقبلة مليئة بتداعيات أسوأ كابوس عاشته واشنطن خلال العام المنصرم. 

المصدر : الجزيرة + وكالات