سوريات يرفعن أعلام الثورة (الأوروبية-أرشيف)

أحمد دعدوش  

استهل بشار الأسد هذا العام بخطابه الخامس والأخير خلال الثورة، فجاء خاليا من أي وعود كان يمكن أن تعطي أملا في تنحيه قبل تفاقم الأزمة، وقد فسّر رئيس الوزراء الروسي دميتري مدفيدف الأمر آنذاك بقوله إنه يجب الحيلولة دون وصول طائفة السنة إلى السلطة في سوريا لأنهم سيبدؤون بقتل العلويين، وبينما أشار إلى أن فرص احتفاظ الأسد بالسلطة تتضاءل يوميا عاد للتصريح قبل نهاية العام بشهرين بأن فكرة رحيل الأسد غير واقعية ما لم يحصل الأخير على ضمانات.

وبين تصريحي مدفيدف تذبذبت المواقف السياسية إزاء الأزمة السورية على نحو يصعب العثور على مثيل له بالتاريخ السياسي الحديث طوال هذا العام، وهي ما تزال تدور حول النقاط الأساسية الأولى للحوار الذي لم تبدأ دورته الأولى بعد.

وفي 27 يناير/كانون الثاني استضافت باريس اجتماع أصدقاء الشعب السوري الذين اتفقوا على دعم الائتلاف واعتباره "بديلا" قادرا على تخليص البلاد من نظام الأسد وتجنبيها مخاطر الانزلاق إلى فوضى قد تستفيد منها "جماعات متطرفة". لكن جناحا آخر من المعارضة سارع لإثبات وجوده في الوقت نفسه بعقد مؤتمر له في جنيف بمشاركة هيئة التنسيق الوطنية.

وبعد أيام حاول رئيس الائتلاف معاذ الخطيب تقديم مبادرة شخصية بالإعلان عن استعداده للتفاوض مع النظام بشرط إطلاق 160 ألف معتقل وتمديد جوازات سفر السوريين بالخارج لمدة عامين، ثم التقى كلا من وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف وجو بايدن نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي، لكن الائتلاف أعاد بعد أيام صياغة المبادرة للتفاوض بشرط ألا يشمل أي حل سياسي بقاء الأسد وأركان نظامه، وهو عرض لم يجد فيه النظام سوى مناورة.

لقاء المعلم بالمبعوث الدولي لسوريا الإبراهيمي بدمشق (رويترز-أرشيف)

حكومة متعثرة
من جانبه, ضاعف النظام حملاته العسكرية في القصير ولم يتورع عن استخدام الصواريخ البالستية بالرغم من تنديدات دولية دون أن يحرز الحوار السياسي أي تقدم، فقدّم الخطيب استقالته من قيادة الائتلاف أواخر مارس/آذار، ثم ترأس الوفد السوري بالقمة العربية المنعقدة بالدوحة وسط ترحيب عربي، وهو ما تُرجم لاحقا باعتراف عربي بالائتلاف واعتباره "ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب السوري" ثم تجسد بافتتاح الخطيب أول سفارة سورية لا تخضع للنظام بالعاصمة القطرية الدوحة.

وشهد الشهر نفسه الإعلان عن انتخاب غسان هيتو رئيسا للحكومة المؤقتة للثورة السورية، وأوكلت إليه مهمة تعيين عدة وزراء لإدارة هذه الحكومة بالمناطق الخارجة عن سيطرة النظام بدعم من أصدقاء الشعب السوري، لكن جهوده لم يُكتب لها النجاح.

ولم يكن الغرب مشغولا كما يبدو بهموم هيتو ومعاناة ملايين المشردين مقارنة بمخاوفه من ازدياد نفوذ "جهات متطرفة" بالساحة السورية. ورأى محللون أن هذه المخاوف ستسارع في تدخل غربي لإنهاء الأزمة والإطاحة بالنظام، وخصوصا بعد حث السيناتورين الأميركيين لينزي غراهام وجون ماكين إدارة أوباما على تغيير توجهاتها بشأن سوريا.         

وكذلك بعد تعنت نظام الأسد إزاء السماح بفريق أممي للدخول والتحقيق في اتهامات باستخدامه السلاح الكيميائي، لكن أبريل/نيسان انقضى دون أن يزيد أوباما على قوله إن هناك أسئلة مازالت قائمة بشأن المسؤول عن استخدام هذا السلاح في سوريا.

في يونيو/حزيران كانت القوى الغربية مشغولة بتبادل التصريحات عن التحقيق المتعثر بشأن استخدام الكيميائي من قبل النظام ضد المدنيين وباحتمالات عقد مؤتمر جنيف2

المليشيات الطائفية
في الشهر التالي، أطلق النظام يد المليشيات الطائفية بقرية البيضا قرب بانياس لارتكاب عدة مجازر على مدى أسبوع وسط صمت دولي، وعاد المحللون لتقصي بصيص الضوء بالنفق المظلم مع اتفاق أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفد كاميرون على موقف موحد بشأن تأسيس مرحلة انتقالية بدون الأسد، وهو اتفاق تبلور أيضا باجتماع وزراء خارجية خمس دول عربية مع تركيا على اتخاذ اتفاق جنيف أساسا للحل باستبعاد الأسد، ثم جاء تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على اعتبار الائتلاف محاورا فعليا لعملية الانتقال السياسي مشجعا على اقتراب الحل.

وتوالت التصريحات طوال مايو/أيار بشأن دعم دولي لتشكيل حكومة انتقالية ولإيجاد حل سياسي وفقا لتوصيات "جنيف1"، وشهدت عَمان والقاهرة وإسطنبول عدة لقاءات للمعارضة, دون أن تسفر عن اتفاق بشأن استمرار رئاسة هيتو للحكومة أو توسيع الائتلاف أو حتى التوصل إلى موقف واضح من "جنيف2".

 لكن هذا الشهر شهد خطوة أحيت بعض الأمل لدى الثوار عندما وافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على رفع الحظر عن إرسال أسلحة إلى المعارضة السورية.

وفي يونيو/حزيران كانت القوى الغربية مشغولة بتبادل التصريحات عن التحقيق المتعثر بشأن استخدام السلاح الكيميائي من قبل النظام ضد المدنيين وباحتمالات عقد مؤتمر "جنيف2" في حين كان حزب الله يتوغل في حمص ويطوق القصير ويرتكب فيها مع قوات النظام "مجازر" وفق ناشطين، مما سمح للنظام بإعادة رسم حدود المناطق التي ما زال يتمسك بها بكل قوة ليشكل شريطا يمتد من محافظة السويداء جنوبا إلى شمال اللاذقية مرورا بدمشق وحمص وحماة والساحل.

وبعد أسبوعين من إعلان الرئيس المصري محمد مرسي دعمه للثوار في سوريا منتصف يونيو/حزيران، أطاح به الجيش في انقلاب عسكري، ووضع بذلك حدا للأصوات التي تعالت هناك لدعم الثورة بمنطلقات دينية تتصدى للحشد الطائفي الشيعي الإقليمي في سوريا.

وبالسادس من أغسطس/آب، تم تعيين أحمد الجربا رئيسا للائتلاف خلفا للمستقيل الخطيب. وبمنتصف سبتمبر/أيلول، اتفق الائتلاف على تعيين أحمد طعمة رئيسا للحكومة الانتقالية خلفا لهيتو الذي لم يتمكن من تشكيل حكومته، ولم يعلن طعمة عن حكومته المصغرة إلا في نوفمبر/تشرين الثاني.

للدخول إلى صفحة سوريا اضغط هنا

طبول الحرب
في صباح الأربعاء 21 أغسطس/آب، تناقلت وسائل الإعلام العالمية صورا وتسجيلات لأكبر المجازر التي شهدتها الثورة السورية، حيث قضى نحو 1500 شخص معظمهم من النساء والأطفال جراء قصف بصواريخ تحمل رؤوسا كيميائية وفقا لتأكيدات الأهالي والناشطين.

ووضعت هذه المجزرة أوباما أمام تحدٍ كبير للموازنة بين الوفاء بوعوده بضرورة ردع النظام في حال خرقه للخط الأحمر، وبين إقناع شعبه باتخاذ قرار الرد.

في الشهر التالي، قال أوباما في خطاب وجهه لشعبه إن توجيه "ضربة محدودة" بالزمان والمكان ستهدف لشل قدرات النظام السوري على استخدام السلاح الكيميائي مرة أخرى، مركزا حديثه على أمن الولايات المتحدة والعالم. لكن هذا التركيز الذي تجاهل مأساة ملايين السوريين لم يلق الكثير من الترحيب بالولايات المتحدة وأوروبا وفقا لاستطلاعات الرأي.

وٍاحتلت تطورات الموقف الأميركي صدارة نشرات الأخبار والصحف حول العالم عدة أيام، ورأى محللون في تردد أوباما إحراجا كبيرا للولايات المتحدة.

وفي التاسع من سبتمبر/أيلول قدم لافروف فرصة لإخراج أوباما من المأزق عندما عرض على نظيره السوري وليد المعلم اقتراحا بوضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت الرقابة الدولية، فأعلن النظام موافقته على الفور، وبدا أن الحل الذي سيخرج الجميع من الحرج هو تدمير هذه الترسانة وانضمام سوريا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

ومع اقتراب العام من نهايته، تتوجه الأنظار إلى جنيف التي تتأهب لعقد مؤتمرها بالـ22 من يناير/كانون الثاني المقبل بعد تأجيله مرات عدة، ومن أبرز تحدياته سحب أهم الكتائب المقاتلة ثقتها من الائتلاف، والخلاف بشأن مشاركة إيران، ومواقف الدول الإقليمية المتضاربة من مصير الأزمة السورية بتعقيداتها المختلفة.

المصدر : الجزيرة