الشرطة اعتقلت 52 شخصا من بينهم مقربون من أردوغان (رويترز)

وسيمة بن صالح-تركيا

لم تنزل الأيام الأخيرة من عام 2013 بردا وسلاما على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، حيث مست للمرة الأولى "فضيحة فساد ورشى" ثقيلة" المحيط المباشر لأردوغان الذي يقود تركيا منذ العام 2002.

وتميز هذا العام بتغييرات ومفاجآت متلاحقة، من احتجاجات شعبية إلى تغيير قوانين وسياسات الزمن الماضي من عهد الحكومات العلمانية. وعرفت العديد من الملفات اختراقات جعلتها تخرج إلى أرض الواقع.

غولن وأردوغان
وقد اعتقلت الشرطة 52 شخصا -بينهم أبناء ثلاثة وزراء ورجال أعمال بارزون مقربون من رئيس الوزراء ومسؤولون بحكومات محلية- في إطار حملة اعتقالات مرتبطة بقضايا فساد ورشوة. ووجهت اتهامات بالفساد والرشوة  إلى كل من نجليْ وزيري الداخلية والاقتصاد، بينما اتهم المدير العام لبنك خلق التركي (البنك الأهلي) بالفساد والاختلاس والتزوير.

وقامت حكومة أردوغان عقب حملة الاعتقالات بحملة "تطهير" واسعة في صفوف قيادات الشرطة، فأقالت حاكم شرطة إسطنبول، وعزلت نحو خمسين ضابطا ومديرا في إطار هذه الحملة.

حكومة أردوغان قامت بحملة تطهير واسعة بصفوف قيادات الشرطة (الفرنسية)

وربط مراقبون أتراك هذه العملية بالداعية فتح الله غولن المقيم بأميركا والذي تسيطر شبكة من أتباعه على مواقع مؤثرة بمؤسسات بينها الشرطة والخدمات السرية والقضاء.

الملف الكردي
وبعد مرور ثلاثة عقود على صراع أنقرة مع حزب العمال الكردستاني، نجح حزب العدالة والتنمية مطلع عام 2013 من إخراج الصراع من دوامة الهجمات والتفجيرات، والتوصل لخارطة طريق سياسية تطوي السنوات الدموية لأكبر قضية معقدة تعرفها تركيا منذ 1984.

وخلف هذا الصراع أكثر من 45 ألف قتيل، وحوالي مليوني مهجر وآلاف القرى والبلدات الكردية المدمرة، إضافة لخسائر مالية تُقدر بخمسمائة مليار دولار.

فبعدما بدأت الحكومة محادثات السلام مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان منذ أكتوبر/تشرين الثاني من العام الماضي بهدف إقناع قيادات حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح وإنهاء العمل العسكري، دشن أوجلان انطلاقة تطبيق مراحل عملية السلام في 21 مارس/آذار عندما وجه رسالة وُصفت بالتاريخية، دعا فيها مقاتلي حزبه إلى وقف إطلاق النار ضد أنقرة والانسحاب من تركيا إلى شمال العراق، كما حذر كل من يحاول إراقة الدماء مستقبلا بالإقصاء.

ووفق ما اتفق عليه، بدأ أول فوج من مقاتلي الكردستاني بالثامن من مايو/أيار الانسحاب من الأراضي التركية باتجاه معاقلهم بكردستان العراق دون حوادث أو استفزازات من الطرفين التركي والكردي.

انسحب أول فوج من مقاتلي الكردستاني من الأراضي التركية في 8 مايو/أيار (رويترز)

ولكسب المزيد من التأييد لعملية السلام، قامت أنقرة بدعوة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني إلى مدينة ديار بكر في 16 من نوفمبر/تشرين الثاني في خطوة وصفها مراقبون أتراك وأكراد بالزيارة بالتاريخية، التي تعد بمثابة ولادة أمل لبداية جديدة ليس فقط بتركيا بل المنطقة كلها.

الملف السوري
ومع استمرار الصراع في الجارة سوريا، تواصل تركيا استقبال موجات النازحين القادمين إليها، مما يطرح أعباء مادية وأمنية عليها.

وتضم تركيا 21 مخيما للاجئين السوريين موزعة على المدن الحدودية، ويصل عدد اللاجئين فيها وفق آخر الإحصاءات التركية الرسمية إلى 206 ألف لاجئ، ويصل العدد الإجمالي للاجئين السوريين بكل تركيا إلى خمسمائة ألف. وبلغت كلفة المساعدات التي قدمتها حتى الآن للاجئين السوريين نحو ملياري دولار.

وفي 11 فبراير/شباط، قتل 13 شخصا ثلاثة منهم أتراك، وجرح ما يزيد على 28 آخرين، في انفجار سيارة مفخخة بمنطقة بين سوريا وتركيا قرب معبر باب الهوى بمحافظة أنطاكيا جنوب تركيا.

كما تعرض المعبر نفسه في 17 سبتمبر/أيلول لانفجار ثان بنفس الأسلوب تسبب بمقتل ما لا يقل عن 12 شخصا وجرح العشرات.

الاحتجاجات على سياسة الحكومة انتقلت من إسطنبول لمدن أخرى (الأوروبية-أرشيف)

وجاء الانفجار الثاني بعد يوم من إسقاط مروحية سورية بنيران مقاتلات تركية قرب الحدود بين البلدين. لكن الانفجار الأكثر دموية حدث في 11 من مايو/أيار بمركز بلدة الريحانية الحدودية التركية، وأسفر انفجار سيارتين مفخختين عن سقوط 52 قتيلا ونحو مائة جريح ودمار هائل في المباني بمكان الانفجار.

أما من الناحية السياسية، فلم تُغير تركيا سياستها المناهضة للنظام السوري والداعية لرحيله، واعتبرته عامل تهديد للأمن والسلام الإقليمي والدولي.

أحداث غيزي
شهدت تركيا صيف عام 2013 عاصفة ساخنة تمثلت باحتجاجات اجتماعية انفجرت بمركز مدينة إسطنبول لتنتقل لعدد من المدن. واندلعت شرارتها الأولى في 28 مايو/أيار من أشجار حديقة غيزي بمنطقة تقسيم مركز إسطنبول حيث كان مناصرون للبيئة يقومون باعتصامات داخل خيمهم احتجاجا على قطع أشجار الحديقة وجعلها جزءا من مشروع تجاري حكومي.

لكن تدخل الشرطة التركية لفض الاعتصام داخل الحديقة بالقوة، حول هذه الحركة إلى مظاهرات سياسية حادة ضد سياسات أردوغان واتهامه بالتدخل في الحياة الخاصة للمواطنين واتخاذ قرارات فردية في مسائل خاصة بهم من دون استشارتهم.

لكن مجموعات -وصفت من قبل الحكومة بأنها لم تتمكن من النجاح عبر صناديق الاقتراع ومجموعات إرهابية معتادة على استغلال أي حدث وتحويله إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة- حرفت مسار الاعتصام أو استغلته لمصالحها السياسية.

وتأثر الاقتصاد التركي بشكل سلبي بهذه الاحتجاجات التي اتخذت في بعض الأحيان طابعا عنفيا وتخريبيا، حيث تراجعت بورصة إسطنبول بنسبة 8.21% وخسرت 407 شركات ما يعادل نحو 29 مليار دولار.

إصلاحات أردوغان سمحت للمحجبات بدخول البرلمان (الفرنسية)

ولم يسبق لهذه البورصة أن هبطت لهذا المستوى منذ عشر سنوات. وتضرر بشكل خاص القطاع السياحي الذي تساهم عائداته بنحو 16% من المداخيل الإجمالية للبلاد. كما توقفت العديد من مشاريع المستثمرين الأجانب بتركيا نظرا لحالة عدم الاستقرار التي خلفتها الاحتجاجات.

حزمة إصلاحات
وقد أعلن أردوغان حزمة إصلاحات نهاية سبتمبر/أيلول، شملت تعديلات تشريعية وإدارية، منها عرض النظام الانتخابي للحوار، والتعهد بمناقشة تقليص نسبة دخول البرلمان من 10% إلى 5%, وهو ما يسمح بتمثيل أكبر للأكراد على وجه الخصوص، إضافة لتوفير حق الدعاية الحزبية باللغات غير التركية لتمكين الأحزاب السياسية من الوصول إلى الناخبين. كما تضمنت الحزمة السماح بالتعليم باللغات غير التركية بالمدارس الخاصة بينها الكردية التي كانت محظورة.

وتم رفع الحظر على ارتداء الحجاب بالمؤسسات العامة، باستثناء مؤسستي الجيش والقضاء. ومهد رفع الحظر هذا لدخول محجبات للبرلمان. وباستثناء بعض القوى السياسية، منها حزب السلام الديمقراطي الكردي، لاقت الحزمة قبولا بشكل عام في مختلف الأوساط.

سجن "الانقلابيين"
وصدرت هذا العام أحكام بالسجن مدى الحياة على رئيس الأركان السابق الجنرال إيلكر باشبوغ وضباط سابقين بالجيش بعد اتهامهم بالتورط في قضية "أرغينيكون" المتعلقة بالتخطيط للإطاحة بحكومة أردوغان، وبرأت المحكمة آخرين من التورط في القضية نفسها.

وأصدرت محكمة "سيليفري" بإسطنبول أحكامًا أخرى بالسجن لسنوات تتراوح ما بين 13 و117 عاما على شخصيات أخرى أدينت في نفس القضية.

كما يُحاكم أمام القضاة بمحكمة جنائية بأنقرة، ومنذ سبتمبر/أيلول 130 من قدامى العسكريين عن دورهم في الإطاحة بأول حكومة إسلامية بالبلاد.

المصدر : الجزيرة