حزب نواز شريف فاز بأغلبية مريحة وتمكن من تشكيل الحكومة (الفرنسية-أرشيف)

هيثم ناصر-إسلام آباد

تودع باكستان عام 2013 بتفاؤل لم تعتده منذ سنوات، إن لم يكن منذ عقود، بعد استقرار ملفات طالما شكلت قلقا لدى النخب السياسية والشارع، أبرزها علاقة الجيش بالسلطة والعلاقة مع الجوار والحرب على الإرهاب التي دفعت باكستان ثمنا باهظا لها، إلى جانب الاقتصاد الذي يتماثل للتعافي.

وشكلت الانتخابات أهم أحداث العام، فبالرغم من تهديدات طالبان باكستان للمقترعين، فإن حجم المشاركة الشعبية في الانتخابات كان تاريخيا وأفرزت نتائجها عن عودة حزب الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف للسلطة بأغلبية مريحة في البرلمان الفدرالي، وانتقال حزب الشعب -الحاكم سابقا- لزعامة المعارضة.

لكن المفاجأة التي حملتها الانتخابات كانت بروز عمران خان وحزبه "حركة الإنصاف" كقوة سياسية حقيقية، حيث حل ثالثا، كما حصل على أكبر عدد من المقاعد في برلمان إقليم خيبر مما مكنه من قيادة حكومتها، فيما استمر حزب الشعب في حكم إقليم السند، وشكل حزب شريف مع عدد من الحلفاء في بلوشستان حكومة إقليمها إلى جانب حكومة البنجاب التي يتمتع حزب شريف بأغلبية ساحقة في برلمانها.

وقد مثلت الانتخابات البرلمانية الباكستانية هذا العام أول انتقال سلمي للسلطة بين حكومتين منتخبتين في تاريخ البلاد التي حكمها الجيش أكثر من ثلاثة عقود منذ تأسيسها عام 1948، وجاء تقاعد قائد الجيش إشفاق برويز كياني صاحب أطول فترة خدمة (ست سنوات دون انقلاب) ليزيد من اطمئنان حكومة شريف لدعم الجيش للمسار الديمقراطي في البلاد بالرغم من استمرار نفوذ المؤسسة العسكرية.

وانتهجت المعارضة البرلمانية بقيادة حزب الشعب نهجا ودودا في الاعتراض على سياسات الحكومة، إلا أن عمران خان وحزبه حركة الإنصاف برز كقائد ميداني للمعارضة، حيث قاد اعتصامات احتجاجية أمام البرلمان الفدرالي وفي عدد من الميادين بمختلف الأقاليم مشكلا أهم الضغوط على حكومة شريف.

وقرر حزب الانصاف الحاكم في إقليم خيبر وقف مرور شاحنات إمداد قوات الناتو في أفغانستان عبر الإقليم احتجاجا على استمرار الغارات الأميركية على مناطق القبائل الباكستانية، الأمر الذي أحرج حكومة شريف أمام الولايات المتحدة ودول الناتو، كما أعلن الحزب عن وقفات احتجاج على ارتفاع الأسعار وعدد من السياسات الحكومية في عدد من الأقاليم.

برويز مشرف يحاكم بتهم عدة
منها الخيانة العظمى (الأوروبية-أرشيف)

محاكمات تاريخية
من جانب آخر، ودع القضاء الباكستاني خلال الأيام الأخيرة من عام 2013 رئيس المحكمة العليا الأقوى والأشهر في تاريخ البلاد افتخار محمد شودري، الذي عزله الرئيس السابق برويز مشرف عام 2007 وعاد ليكمل فترته كرئيس للسلطة القضائية عام 2009.

وفي عهد شودري، قام القضاء بأدوار غير مسبوقة أهمها تحريم الانقلابات العسكرية بقرار تحول إلى قانون، ومحاكمة رئيسي وزراء أُجبر أحدهما (يوسف رضا جيلاني) على التنحي عن منصبه بتهمة ازدراء المحكمة العليا، كما باشر القضاء الباكستاني خلال 2013 برئاسة شودري خمس قضايا ضد مشرف من بينها قضية تتهم مشرف بالخيانة العظمى، وخمس قضايا فساد يُتهم الرئيس السابق آصف علي زرداري بالتورط فيها.

ووقف القضاء في وجه الحكومة في قضايا تتعلق بالحياة اليومية للمواطنين، كأسعار المشتقات النفطية والطاقة الكهربائية، وطلب شودري قبل تقاعده بأيام مثول قادة في الجيش والأجهزة الأمنية أمام المحكمة بشأن قضية المفقودين قسريا في تكريس لقوة السلطة القضائية واستقلالها بعد غياب طويل عن الشأن العام الباكستاني، اتهم خلاله القضاء بالخضوع للحكام المتعاقبين.

اتفاقية هدنة
وبالرغم من أن هذا العام شهد أكبر عدد من اختراقات اتفاق وقف إطلاق النار بين باكستان والهند، إلا أن الأسابيع الأخيرة منه شهدت استقرارا في مناطق التماس الحدودية بين البلدين بعد اجتماع نواز شريف بنظيره الهندي مانموهان سنج في نيويورك، وما تبعه من مباحثات أعادت اتفاقية الهدنة بين البلدين إلى حيز التنفيذ.

وحصلت الحكومة الجديدة على إجماع الأحزاب السياسية البرلمانية لانتهاج الحوار في التعامل مع الجماعات المسلحة الناشطة بالبلاد، وعلى رأسها حركة طالبان باكستان، مما خفف من وتيرة هجمات الحركة، إلا أن مقتل زعيم الحركة حكيم الله محسود مطلع نوفمبر/تشرين الثاني بعد موافقته على الحوار مع حكومة شريف أعاد التوتر بين الحكومة وطالبان بعد إعلان الأخيرة انتهاء فرص الحوار.

وفي كراتشي حققت العملية الأمنية التي أطلقتها الحكومة نجاحا ملحوظا تمثل بانخفاض وتيرة العنف في المدينة، بعد مصادرة أسلحة ومتفجرات واعتقال أكثر من عشرة آلاف مشتبه به.

الاقتصاد الباكستاني بدأ يتعافى بعد معاناة طويلة (الفرنسية)

تعافي الاقتصاد
وقد شهد عام 2013 تطورا ملحوظا في عدد من القطاعات الاقتصادية بالرغم من الصعوبات التي يعانيها الاقتصاد الباكستاني، منها تخفيف وطأة أزمة الطاقة حيث دفعت الحكومة الجديدة ديونا متراكمة لصالح شركات إنتاج الطاقة، الأمر الذي أسهم في تخفيض عدد ساعات انقطاع الطاقة الكهربائية والتي بلغت عشرين ساعة يوميا ببعض المناطق.

كما قدم الاتحاد الأوروبي إعفاءات جمركية لعدد من البضائع الباكستانية لدى دخولها السوق الأوروبية، الأمر الذي يتوقع أن يرفع صادرات باكستان لهذا السوق بقرابة ملياري دولار سنويا.

وبالرغم من اعتماد الحكومة على الاقتراض الداخلي والخارجي لتمويل برامجها ومشاريعها الإصلاحية، فإن تقدم باكستان في مجال محاربة الفساد بحسب منظمة الشفافية الدولية وحصول الحكومة الجديدة على ثقة المؤسسات الاقتصادية الدولية سمح للحكومة بإطلاق مشاريع عملاقة للطاقة والبنية التحتية في مختلف الأقاليم، كما شجعت على تدفق الاستثمارات الدولية للبلاد خاصة بعد إعلان الحكومة برنامج الخصخصة الذي سيسلم إدارة أكثر من ثلاثين شركة حكومية للقطاع الخاص، مما سيخفف من أعباء استمرار خسارة بعض هذه الشركات.

حقوق الإنسان
وحوَّل تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني ضحايا غارات الطائرات الأميركية دون طيار على المناطق القبلية الباكستانية إلى ملف حقوقي دولي، حيث استندت باكستان للتقرير في تفعيل قضية الغارات في الأمم المتحدة ومطالبة الأمم المتحدة بالتدخل لوقف الغارات التي تعتبرها باكستان انتهاكا لسيادتها على أراضيها.

إلا أن حقوق الإنسان في باكستان لم تكن في أفضل أعوامها، فقد أرقت قضية المفقودين قسريا القضاء الذي استدعى مسؤولين، لكنه لم يفلح إلا في إعادة سبعة منهم. كما أظهر تقرير دولي أن أكثر من مليوني شخص في باكستان يعيشون شكلا من أشكال العبودية في أماكن العمل وببعض المناطق الزراعية.

وواجه الصحفيون خلال العام الأخير أكثر من ثلاثين هجوما نتج عنها مقتل عدد منهم، بالإضافة إلى تلقي محطات إخبارية محلية رسائل تهديد وتعرض مجموعة من الصحفيين للابتزاز من عصابات ومجموعات مسلحة، فيما أصدرت مجموعة مسلحة فتوى تعتبر الصحفيين أعداء المجاهدين وحثت على استهداف عدد منهم، وجاءت باكستان في المركز 151 بتصنيف منظمة مراسلون بلا حدود حول الحريات الصحفية في العالم.

المصدر : الجزيرة