الأزمة الاقتصادية بمنطقة العملة الأوروبية الموحدة استمرت للعام السادس (غيتي إيمجيز)  

خالد شمت-الجزيرة نت

تظهر المحصلة الاقتصادية لعام 2013 أن النجاحات المعلنة بمواجهة بعض جوانب أزمة الديون السيادية الأوربية، يقابلها تفاقم المشكلات الرئيسية للاقتصاديات الأوروبية العليلة، وانتقال تداعيات أزمة اليورو من دول جنوب أوروبا إلى شمالها.

وضمن هذا السياق، جاء تشكك بيتر جوفايلر نائب رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري -ثالث شريك بالحكومة الألمانية الجديدة- قبل نهاية عام 2013، في إمكانية بقاء منطقة اليورو على قيد الحياة، كنفي لمقولة تتردد عن تجاوز دول منطقة العملة الأوروبية الموحدة للمرحلة الصعبة بأزمتها المالية.

مشكلة كبرى بإيطاليا
ورغم تسليط الأضواء علي اليونان وقبرص وإسبانيا بمجرد الحديث عن أزمة اليورو، فإن تقديرات الخبراء الاقتصاديين تتفق على اعتبار إيطاليا تمثل المشكلة الأكبر والمستعصية على الحل بمنطقة العملة الأوروبية الموحدة.

وتتطابق هذه التقديرات مع إحصائيات رسمية أظهرت أن أزمة اليورو واصلت بعام 2013 ضرب إيطاليا بعنف ومضت بها لمستقبل قاتم السواد، ويبدو جانب من تفاقم تداعيات الأزمة على إيطاليا بإعلان البنك المركزي أن ديونها ارتفعت بين أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول الماضيين بمقدار 8.560 مليارات يورو، وواصلت صعودها القياسي بتجاوزها 2.0685 تريليون يورو.

وقال البنك إن الديون الإيطالية زادت عام 2013 بمقدار 72 مليار يورو مقارنة بالعام الماضي، وأشار إلى أن هذه الديون التي تمثل 133% من إجمالي الناتج السنوي، تسدد لها البلاد فائدة تبلغ 84 مليار يورو سنويا.

حكومة أنريكو ليتا واجهت احتمال انفجار الديون ببرنامج خصخصة شامل (الفرنسية)

وإضافة لجبل الديون، واجهت إيطاليا عام 2013 كسادا يعد الأطول بتاريخها الحديث، وعانى اقتصادها من انكماش يتواصل منذ عامين، كما بلغ معدل البطالة 12.5%، وهو ما أدى لارتفاع عدد الشركات المفلسة، حيث شهدت الشهور التسعة الأولى من العام إفلاس 9902 شركة، بزيادة 12% مقارنة بنفس الفترة من 2012.

ومن جانبها سعت حكومة أنريكو ليتا لمواجهة انفجار محتمل بالديون الإيطالية ببرنامج خصخصة شامل، وبيع حصص أسهمها في شركة الغاز (إينا) ومجموعة الطاقة (إينيل) والمجموعة الصناعية (فينميكانيكا) لجمع مبلغ ثمانين مليار يورو.

وتخطط روما لبيع الممتلكات العقارية للدولة التي تبلغ قيمتها ثلاثمائة مليار يورو، استجابة لمقترح رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي الإيطالي الأصل، الذي رأى أن بيع بلاده لممتلكاتها العامة أفضل من مد أياديها لدافعي الضرائب الألمان.

باريس مثل روما
ولم تقل خطورة أوضاع فرنسا الاقتصادية بعام 2013 عن مثلها بإيطاليا، وواجه ثاني أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو واقعا مضطربا، ووصلت معدلات البطالة خاصة بين الشباب وديون البلاد لمستوى غير مسبوق.

وخرجت فرنسا من حالة الكساد وارتفع ناتجها القومي بالربع الثاني من العام الجاري بواقع 0.5%، لكن حالة اقتصادها ما تزال تثير القلق الأوروبي، إذ بلغ عدد العاطلين 3.3 ملايين شخص يمثلون 10.9% من إجمالي القوى العاملة، وتتوقع تقديرات رسمية تجاوز نسبة البطالة 11% العام القادم.

وتعدت ديون فرنسا هذا العام 1.92 تريليون يورو بما يعادل 93.4% من إجمالي الناتج السنوي، ورشحت وزارة المالية الديون للارتفاع العام القادم إلى 1.95 تريليون يورو تمثل 95.5% من إجمالي ناتج البلاد.

وعانى اقتصاد فرنسا من تراجع حاد بقدرته التنافسية، وصنفها المنتدى الاقتصادي العالمي بالمرتبة 23 عالميا من حيث القدرة التنافسية، بينما حلت ألمانيا رابعة بهذا التصنيف.

معدلات البطالة بإسبانيا وصلت إلى 26.7% وأعداد العاطلين 4.7 ملايين شخص (الفرنسية)

إخفاق إسبانيا
أما في إسبانيا، ففشلت كل إجراءات التقشف التي نفذتها الحكومة بالحد من الديون التي واصلت صعودها القياسي بزيادتها نهاية الربع الثالث من العام الجاري بنسبة 16.7% مقارنة بنفس الفترة خلال 2012، وبلغت الديون في سبتمبر/أيلول الماضي 954.9 مليار يورو تمثل 93.4% من إجمالي الناتج القومي.

وتمثل إسبانيا، صاحبة رابع اقتصاد أوروبي، استثناءً بين دول اليورو المتأزمة، إذ حصلت على مساعدات بقيمة مائة مليار يورو -تسلمت منها أربعين مليارا- لإنقاذ بنوكها من الإفلاس بفعل انفجار فقاعة الدين العقاري.

وتعهدت مدريد هذا العام بالخروج من مظلة الإنقاذ بعد تخطي البلاد حالة كساد طويل، لكن المؤشرات الاقتصادية لا تظهر إمكانية لتعافٍ محتمل، حيث احتفظت إسبانيا بالمرتبة الثانية بمنطقة اليورو بالنسبة لارتفاع معدلات البطالة التي وصلت إلى 26.7% لتناهز أعداد العاطلين 4.7 ملايين شخص.

ولجأت حكومة ماريانو راخوي مرات عديدة هذا العام إلى صندوق الاحتياطي المخصص للتأمينات الاجتماعية، لتتمكن من سداد الرواتب والمعاشات التقاعدية.

تقشف البرتغال
وحصلت البرتغال من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي علي 78 مليار يورو منذ 2011 لإنقاذ مصارفها المتداعية من الإفلاس، والتزمت لشبونة أمام المقرضين بإجراءات تقشف حاد تنفذها للعام الثالث لمكافحة كساد شديد يعتبر الأقسى منذ السبعينيات.

وبمواجهة استمرار الارتفاع القياسي بمعدلات البطالة أعلنت حكومة بيردو باسوس جويلهو عن خطة تقشف جديدة هي الأقوى منذ أربعين عاما لتوفير أربعة مليارات يورو بميزانية 2014.

واستهدفت الخطة تقليص رواتب الموظفين والمعاشات التقاعدية، وهو ما قالت الأحزاب اليسارية إنه سيزيد من انتشار الفقر بالبرتغال، الدولة الأفقر بمنطقة اليورو.

كما باعت لشبونة 70% من أسهم مؤسسة البريد العامة للمستثمرين، ورغم إعلان عزمها التوقف عن تلقي مساعدات الإنقاذ من منتصف العام القادم، فإن التقديرات الاقتصادية تشكك بقدرة هذه الإجراءات على إحداث تعافٍ اقتصادي واستعادة ثقة الأسواق المالية.

احتجاجات على الإجراءات التقشفية التي اتخذتها الحكومة اليونانية (الجزيرة)

الدراما اليونانية
عكس تقدم 18 ألف شخص أواخر العام لشغل 390 وظيفة صغيرة بشركة اتصالات باليونان مظهرا لاستمرار تفاقم الأزمة بهذا البلد عام 2013، ولم يحجب مدح إصلاحات حكومة أنطونيوس ساماراس حقيقة استمرار عجز بلاد الإغريق عن التعافي والعودة للأسواق المالية.

وواصل الاقتصاد اليوناني تراجعه بنسبة 4.6%، وحقق الدين العام معدلا قياسيا بارتفاعه 321.8 مليار يورو مقابل 302.5 مليار قبل عام، كما ارتفع معدل البطالة إلى 27.6% ومن المتوقع تجاوزه 28% العام المقبل.

وتنتظر أثينا تحقيق نمو خفيف العام القادم من خلال خطة تقشف جديدة بالمجالين الصحي والاجتماعي لتوفير ثلاثة مليارات يورو، وتشديد الإجراءات الضريبية لجلب ملياري يورو.

تردي الأقوياء
ولم يختلف الحال عام 2103 بقبرص التي حصلت على عشرة مليارات يورو مساعدات إنقاذ بعد موافقة ترويكا المقرضين على إصلاح الميزانية القبرصية، وسجلت البطالة ارتفاعا قياسيا بوصولها إلى 17% لتصبح رابع أكبر دولة للعاطلين بمنطقة اليورو بعد اليونان وإسبانيا والبرتغال، وقدرت المفوضية الأوروبية وصول العجز القبرصي 8.7% العام الجاري.

وتخطت تداعيات أزمة اليورو عام 2013 دول جنوب القارة إلى شمالها وضربت دولتين عرفتا باستقرارهما الاقتصادي هما هولندا وفنلندا، وخفضت وكالة ستاندرد أند بورز التصنيف الائتماني المميز (أيه أيه أيه) إلى (أيه أيه +) لهولندا بسبب ضعف الاقتصاد وارتفاع البطالة وانهيار أسعار العقارات بسبب انفجار فقاعة الدين العقاري.

وفي فنلندا، دفعت تداعيات الأزمة الحكومة لدعوة الاتحاد الأوروبي للاستعداد لتفكيك منطقة اليورو إذا خرجت هي منه، وتواجه فنلندا كسادا وتحدي تمثيل المسنين لقاعدة الهرم السكاني بالبلاد، وسعت هلسنكي لتجنب تخفيض التصنيف الائتماني المميز لاقتصادها بتقليص مخصصات الصحة والتعليم.

المصدر : الجزيرة