صحفيون تونسيون أكدوا أن الكتاب يؤرخ لحقبة مظلمة من تاريخ الإعلام في عهد بن علي (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

أثار الكتاب الأسود الذي كشفت عنه رئاسة الجمهورية التونسية مؤخرا حول منظومة الفساد من الإعلاميين والمثقفين إبان حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ضجة كبرى في تونس لحجم المعلومات الهامة والخطيرة التي تضمنها.

ففي حين أشاد عدد من الصحفيين والسياسيين بالكشف عن محتوى الكتاب مع اقتراب الاحتفال بالذكرى الثالثة للثورة يوم 14 يناير/كانون الثاني المقبل لنزع الغطاء عن جزء من دولة الفساد السابقة، رأى البعض الآخر أن من الأفضل الكشف عن ذلك ضمن مسار قانون العدالة الانتقالية، الذي لم يُقر بعد.

الكتاب الذي طغى على صفحته الأولى اللون الأسود تعبيرا عن الحقبة التي كانت تعيشها البلاد تحت حكم بن علي، جاء بعد عمل طويل من قبل دائرة إعلام الرئيس التونسي الحالي منصف المرزوقي، وهو حقوقي ومعارض سابق.

وتشير مقدمة الكتاب إلى أن مضمونه ارتكز على أرشيف الوثائق التي نجت من الإتلاف بعد الثورة وعثر عليها بقصر قرطاج الرئاسي، لكنها تقرّ بأن مضمونه لا يكشف كل الحقيقة باعتبار أن جزءا من الأرشيف تمّ إتلافه.

الخضراوي رحب بالكشف عن أخطبوط الفساد (الجزيرة)

أخطبوط فساد
ويحوي الكتاب 354 صفحة و13 ملفا على شكل أبواب تتعلق بملفات وكالة الاتصال الخارجي -الذراع الدعائية لبن علي- وقائمة المؤسسات الصحفية والإعلاميين والمثقفين الموالين له، وتكشف منظومة الفساد والرشاوى والتزييف والتعتيم وتشويه المعارضين وحتى طرق الردّ على الجزيرة.

ويقول عضو نقابة الصحفيين التونسيين منجي الخضراوي إن "الكتاب تضمن معلومات مهمة للغاية تكشف عن أخطبوط الفساد الذي نسجه نظام بن علي، وتؤرخ لفترة مظلمة عاشتها البلاد تحت القمع والاستبداد والتعتيم".

ويضيف للجزيرة نت أن هناك عملا ذكيا وراء الكتاب لأنه لم يهدف لنشر قائمة سوداء فحسب، وإنما كان يقصد خصوصا الكشف عن منظومة كاملة من الفساد وطريقة عملها والعلاقات بين أعضائها وطبيعة عمل الصحفيين، لاسيما الوشاة الذين كانوا يكتبون تقارير استخباراتية لفائدة نظام الرئيس المخلوع.

من جانبه يقول الصحفي العضو بمركز تونس لحرية الصحافة سليم بوخذير للجزيرة نت إن "الكشف عن الكتاب الأسود خطوة محمودة في الاتجاه الصحيح، ولبنة أولى من لبنات مسار العدالة الانتقالية".

ويرى أن الكشف عن جزء من أرشيف تونس لإظهار الحقيقة سيعود بالفائدة على التونسيين والصحفيين "الذين لن يزايد عليهم أحد بعد الآن بوصفهم بإعلام العار بعد أن تبيّن أن أقلية فقط من الإعلاميين فاسدون".

بوخذير رأى أن إصدار الكتاب خطوة في الاتجاه الصحيح (الجزيرة)

المحاسبة
ونشر الكتاب الأسود قائمة تضمّ نحو 90 اسما لصحفيين تونسيين اشتهروا بدفاعهم عن النظام السابق في المؤسسات الإعلامية التي كانوا يشتغلون بها.

ويقول بوخذير إن الكشف عن المفسدين لا يكفي دون محاسبة في إطار قانون العدالة الانتقالية قبل المرور إلى المصالحة، وطالب باقي مؤسسات الدولة النسج على منوال رئاسة الجمهورية لكشف الأرشيف.

لكن الخضراوي يرى أنه كان من الأفضل أن يتمّ فتح أرشيف الفساد في قطاع الإعلام بعد تفعيل قانون العدالة الانتقالية، منتقدا عدم إشراك الهياكل المهنية والمؤسسة القضائية من أجل تفادي الطعن في مصداقية هذا العمل.

وقال إن تسريب الكتاب الأسود بطريقة فجائية دون إشراك بقية الأطراف سمح لصحفيين فاسدين بحشر أسماء لصحفيين قاوموا الاستبداد في عهد بن علي في القائمة السوداء "لخلق حالة من الإرباك والتشويه".

بوكدوس انتقد إصدار الكتاب وقال إنه حملة مقصودة ضد الصحفيين (الجزيرة)

استهداف متعمد
من جهة أخرى انتقد رئيس مركز تونس لحرية الصحافة فاهم بوكدوس مضمون الكتاب الأسود، مؤكدا للجزيرة نت أنه يهدف لشن حملة ضد الصحفيين ويعطي دوافع لاغتيالهم في ظل تناهي التهديدات الأمنية بالبلاد، وفق رأيه.

وانتقد بدوره إصدار الكتاب دون التشاور مع الهيئات المهنية والنقابية للكشف عن الأرشيف الخاصّ بملف الإعلام، وعبر عن استيائه من إسناد السبق الصحفي في تقديم هذا الكتاب لقناة تلفزيونية خاصة (قناة المتوسط) اعتبرها موالية للسلطة.

وكان وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية سمير ديلو صرّح بأنه ضدّ تسريب الكتاب الأسود خارج مسار العدالة الانتقالية، معتبرا أنه كان من الأفضل تشكيل لجنة لوضع قائمة من الصحفيين الذين تعاونوا مع النظام السابق تتكوّن على الأقل من قاضيين.

بالمقابل يؤكد النائب عن حركة وفاء عبد الرؤوف العيادي للجزيرة نت أن نشر الكتاب الأسود "خطوة إيجابية لكشف الحقائق للرأي العام، وتقديم مادة ثرية للقضاء من أجل محاسبة المفسدين".

المصدر : الجزيرة