صينيون يلتقطون صورا تذكارية أمام ضريح ماو (الجزيرة نت)

عزت شحرور-بكين

أحيا الصينيون الذكرى 120 لميلاد زعيمهم الراحل ماو تسي تونغ. ويبدو أن الرجل الذي ملأ الصين وشغل شعبها في حياته لا يزال كذلك حتى بعد مضي 37 عاما على رحيله، ولا يزال بصورته المعلقة في ميدان "تيان أن مين" يطل بوجهه الدائري ليرى أين ترك الصين عند رحيله وأين هي الآن.

الرئيس الصيني شي جين بينغ وأعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب، أو من يعرفون باسم "السبعة الكبار"، انحنوا ثلاث مرات كما تقتضي التقاليد والأعراف الصينية أمام الجثمان المحنط والمسجى للزعيم الراحل منذ وفاته عام 1976 في ضريحه بميدان تيان أن مين في قلب العاصمة الصينية.

وعقّب الرئيس الصيني بعد ذلك قائلا إن الحزب الشيوعي الصيني سيحافظ على راية ماو تسي تونغ وأفكاره، ويرفعها عالية وخفاقة إلى الأبد. لكنه أضاف أن الزعيم ماو ورفاقه من الثوريين الأوائل لم يكونوا آلهة لا يمكن انتقادهم، بل هم بشر يخطئون ويصيبون، وإن تقييمهم بإنصاف لا بد أن يخضع إلى نظرة تحليلية علمية للتاريخ وأحداثه.

صورة ماو تسي تونغ
تطل في ميدان تيان أن مين (الجزيرة)

ومن الملاحظ أن إحياء الذكرى هذه المرة بدت باهتة وضئيلة ومتواضعة جدا أمام احتفالات سابقة، حيث تركزت معظمها هذه المرة في مسقط رأسه بمدينة شاوشان في إقليم خونان وسط الصين.

وتركزت الاحتفالات في العاصمة بكين على زيارة ضريحه وعلى بعض النشاطات الرسمية والندوات الأكاديمية حول أفكار الزعيم الراحل، بينما فرضت السلطات الحكومية على بعض منظمات المجتمع المدني إلغاء العديد من الفعاليات الجماهيرية والشعبية التي كانت مقررة سابقا لإحياء المناسبة دون ذكر الأسباب، الأمر الذي أثار الكثير من الاستغراب وعلامات الاستفهام.

ويذكر أن السنوات الأخيرة تشهد عودة الجدل الحاد حول شخصية الزعيم الراحل وأفكاره، بين تيار يساري يرى فيه قائداً كاريزمياً فذا وأن البلاد تحتاج لنموذج مثله لتجاوز التحديات الداخلية والإقليمية والدولية في هذه المرحلة الحرجة من التحولات الجارية.

ومن جهة أخرى، فإن تياراً ليبرالياً لا يرى في الزعيم الراحل سوى دكتاتور حكم البلاد بالحديد والنار وارتكب الكثير من الأخطاء التي أدت إلى سقوط ملايين الضحايا في عهده.

السنوات الأخيرة تشهد عودة الجدل الحاد حول شخصية الزعيم الراحل وأفكاره، بين تيار يساري يرى فيه قائدا كاريزميا فذا، وتيار ليبرالي لا يرى فيه سوى دكتاتور

ويقول البرفسور خان دي تشانغ الأستاذ في جامعة الفضاء والمعروف بتأييده المطلق للزعيم الراحل، يقول إن من يحاولون التنظير والانتقاد لأفكار ماو تسي تونغ يبدون كمن يقف في سفح جبل راسخ.

ويضيف إن إنجازات ماو لا تقتصر على تحرير البلاد وتأسيس الجمهورية بل إن تأثيراتها لا تزال قائمة، وإن معظم المشاكل التي تعاني منها الصين الآن هي بسبب الانحراف عن الأفكار العظيمة لماو.

بينما يرى جانغ لي فان أحد أساتذة التاريخ أن أفكار ماو حول الصراع الطبقي قد عفا عليها الزمن ولم تعد صالحة في عالم اليوم، وأن القيادة الصينية تبدو مضطرة للحديث بشكل نظري فقط عن التمسك بأفكاره لأنه مؤسس النظام الحالي وإن التشكيك به وبإنجازاته لا بد أن يؤدي إلى التشكيك بشرعية النظام القائم.

أما معظم المواطنين العاديين الذين استطلعت الجزيرة نت آراءهم فقد أجمعوا على أن هالة القدسية التي أحاطت بالرجل لم تعد قائمة الآن، وقالوا إنهم باتوا يرونه على حقيقته وبوضوح أكثر، فخلال مسيرته الطويلة في الثورة والدولة أصاب وأخطأ وحقق إنجازات وتعرض لإخفاقات.

صورة ماو تسي تونغ
بميدان تيان أن مين (الجزيرة نت)

وقالوا أيضا إنه من جعل من الشعب الصيني سيد نفسه وقاد البلاد في أصعب الظروف وأحلكها، وهو نفسه الذي أشعل فتيل الثورة الثقافية التي سببت الكثير من المآسي والكوارث والآلام.

إنه ماو تسي تونغ أو "الشرق المتألق"، ابن الفلاح الفقير وأبو الصين الجديدة. دخل التاريخ من أوسع أبوابه حيث قاد ثورة الصين في أطول ملحمة أسطورية عرفت باسم "المسيرة الكبرى"، إلى أن أعلن ميلاد دولة عام 1949 أسماها "جمهورية العمال والفلاحين"، لكنه لم يطفئ لهيب ثورته وهو الذي يؤمن بأن "السلطة تنبع من فوهة البندقية".

وماو ألقى بأكثر من مليون متطوع صيني في أتون الحرب الكورية في بداية خمسينيات القرن الماضي، فكسب نصف كوريا كحليف له ولكنه خسر تايوان.

وقفز ببلده الزراعي بما أسماه "القفزة الكبرى إلى الأمام" ليجعل منها قوة صناعية، لكنه هوى باقتصاد البلاد إلى الحضيض، قبل أن يدخلها في أتون "الثورة الثقافية" وصراع عقائدي مدمر طوال عقد كامل استمر من منتصف الستينيات حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

وعرفه ثوار العالم من خلال كتابه الأحمر الصغير الذي اعتبر "إنجيل" حركات التحرر في ذلك الحين في مختلف بقاع العالم.

المصدر : الجزيرة