أكثر من مائتي مليون مسن في الصين (الجزيرة نت)

عزت شحرور-بكين

تبدو الصين بعد ثلاثين عاما من تطبيق سياسة الطفل الواحد وكأنها قد وهن العظم منها واشتعل الرأس شيبا، إذ شاخ المجتمع الصيني وبلغ من العمر عتيا، وبدأ يفقد مناعته ونشاطه.

ويبلغ عدد المسنين في الصين نحو مائتي مليون، وسط توقعات بتضاعف هذا العدد في السنوات القادمة، مما أدخل البلاد في منطقة الخطر نتيجة التراجع الحاد في نسبة القوى العاملة في المجتمع الصيني، وما يعنيه ذلك من تأثير في سرعة دوران عجلة الاقتصاد.

وقدر تقرير أصدرته الأمم المتحدة مؤخرا أن القوى العاملة في الصين تخسر نحو ثمانين مليون عامل قبل حلول عام 2030 من أصل تسعمائة مليون يعملون حاليا في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.

وفي محاولة منها لمواجهة شيخوخة المجتمع وتراجع أعداد القوى العاملة تحاول الحكومة تمديد سن التقاعد ليصل إلى 65 عاما للذكور وستين عاما للإناث، مما وضع نظام التأمينات الاجتماعية في الصين أمام تحديات كبرى ودخوله منطقة الخطر، حيث قفزت قيمة مدفوعات صندوق التأمين الاجتماعي من ستة مليارات دولار عام 2000 إلى ثلاثمائة مليار دولار العام الماضي، ناهيك عن ازدياد البطالة وتقليص الفرص أمام جيل الشياب والخريجين الجدد في إيجاد عمل.

قفزت مدفوعات صندوق التأمين الاجتماعي إلى ثلاثمائة مليار العام الماضي (الجزيرة)

وأرهق التنامي السريع في أعداد المسنين كاهل الحكومة واستنفد الكثير من خزينة الدولة، وأجبرها على الاستعانة بالقطاع الخاص أو المجتمع المدني لرعاية المسنين، مما أدى لانتشار مراكز رعاية المسنين في المدن الصينية.

وتشهد مثل هذه المراكز رواجا وإقبالا متناميا، خاصة لدى أصحاب الطبقة الميسورة ممن يملكون المال ولا يملكون الوقت للاعتناء بذويهم من كبار السن.

 معادلات وأعباء
يقول مدير أحد المراكز الخاصة في العاصمة بكين وانغ شياو لونغ إن "الحكومة في السابق كانت تقوم منفردة برعاية المسنين، لكن الموضوع أصبح أكثر تعقيدا ودخل في دائرة الخطر، وقدرات الحكومة محدودة، والمسؤوليات والمتطلبات كثيرة فكان لا بد من دخول القطاع الخاص ليتحمل مسؤولياته في هذا الشأن".

يضاف إلى تلك التحديات والتبعات الناجمة عن ثلاثة عقود من تطبيق سياسة الطفل الواحد التفكك الأسري الذي خلفته هذه السياسة، فبعد أن كانت مهمة الاعتناء بالمسنين تتوزع بين عدة أخوة وأخوات في السابق باتت الأعباء الآن كلها بما فيها الاعتناء بالوالدين والجدين ملقاة على كاهل الابن الوحيد، خاصة أن الجيل الجديد أو ما كان يسمى بجيل "الأباطرة الصغار" أو "شمس العائلة" كان قد نشأ في بيئة من الدلال، والجميع فيها يدور في فلكه وجميع طلباته مستجابة، مما أنتج جيلا غير قادر على تحمل مسؤوليات الحياة.

قانون صيني يلزم الأبناء الاعتناء بذويهم
من كبار السن تحت طائلة العقوبة 
(الجزيرة)

وتحولت المعادلة الأسرية -التي كانت تعرف في المجتمع الصيني باسم (معادلة 2-2-1) أي (الجدان والوالدان في خدمة الطفل الوحيد) إلى معادلة جديدة معكوسة هي (1-2- 2)، الأمر الذي جعل من مراكز رعاية المسنين المكان الأمثل لهم لقضاء ما تبقى لهم في هذه الدنيا.

قانون للزيارة
وقالت للجزيرة نت مسنة في إحدى دور الرعاية في بكين إن ابنها تزوج، وهو مشغول بعمله وبأسرته، وهي لا تريد أن تحمله فوق طاقته.

وأضافت أن راتبه التقاعدي يكفيه لتغطية نفقاته، وتابعت "لا أطلب منه سوى زيارتي بين الحين والآخر، نحن هنا جميعا من المسنين نساعد بعضنا بعضا، ولنا اهتماماتنا المشتركة، نقضي أوقاتا ممتعة، وأبناؤنا يأتون لزيارتنا عندما تسمح لهم أوقاتهم بذلك".

يذكر أن البرلمان الصيني أجاز قانونا -بداية العام الحالي- يفرض على الأبناء زيارات منتظمة لذويهم من كبار السن، ويمنح المسنين الحق في طلب المساعدة من السلطات أو رفع شكاوى أمام المحاكم لمقاضاة الأبناء غير الملتزمين بذلك.

المصدر : الجزيرة