أثارت تصريحات للرئيس الفرنسي فرانسو هولاند غضب الجزائريين، وطالبه بعضهم باعتذار رسمي عن "إهانته لهم"، بينما طالب آخرون بـ"إعادة النظر" في العلاقات بين البلدين، ورأى طرف ثالث أن الأمر لا يستدعي اعتذارا لأن ما صدر عن هولاند كان مجرد "هفوة".

فرنسوا هولاند زار الجزائر نهاية 2012 وحظي "باستقبال غير مسبوق" حسب بعض الجزائريين (الفرنسية-أرشيف)

ياسين بودهان-الجزائر

أثارت تصريحات أدلى بها الرئيس الفرنسي فرانسو هولاند مؤخرا غضب واستياء الجزائريين، وطالبه بعضهم باعتذار رسمي عن "إهانته لهم"، في حين طالب آخرون بـ"إعادة النظر جذريا" في العلاقات القائمة بين فرنسا والجزائر، ورأى طرف ثالث أن الأمر لا يستدعي اعتذارا رسميا لأن ما صدر عن هولاند كان مجرد "هفوة".

ويتهم الجزائريون هولاند بالخروج عن الأعراف الدبلوماسية، حينما قال الاثنين الماضي خلال احتفالية للمجلس التمثيلي للهيئات اليهودية بفرنسا عن وزير داخليته مانويل فالس -الذي رافق رئيس الوزراء الفرنسي جان مارك إيرولت للجزائر- إنه "عاد سالما من الجزائر، وإن عودته معافى تعد في حد ذاتها إنجازا".

هذه التصريحات أثارت حفيظة الجزائريين الذين طالبوا سلطات بلادهم برد "عنيف" على سخرية هولاند، خاصة وأنها جاءت بعد زيارة رئيس حكومته الذي حصل من الجزائر على مشاريع استثمارية بالمليارات، وجاءت أيضا بعد الاستقبال غير المسبوق لهولاند نفسه خلال زيارته العام الماضي للجزائر.

مزحة ثقيلة
موضوع "الإهانة الفرنسية" تحول إلى مادة نقاش دسمة لرواد شبكات التواصل الاجتماعي، الذين انتقدوا بشدة الموقف الجزائري تجاه "إهانة بلادهم"، وحسب البعض فإن هولاند من خلال "مزحته الثقيلة" صور الجزائر على أنها بلد تفتك به الحروب والنزاعات.

عبد الرزاق قسوم قال إن الجزائر قدمت تنازلات وتضحيات كبيرة لفرنسا (الجزيرة نت)

كما نددت الطبقة السياسية بشدة بتصريحات هولاند واعتبرتها "إهانة بحق الجزائر"، وطالب سياسيون سلطات الجزائر بإعادة النظر في العلاقات الجزائرية الفرنسية، وخاصة في شقها الاقتصادي، وانتقدوا بالمقابل الموقف الرسمي من خلال تصريح وزير الخارجية أمس رمطان لعمامرة، واعتبروه "غير كاف" حينما أكد أن التصريحات هي "تقليل من قيمة الروح التي تلف العلاقات بين البلدين".

واعتبر لعمامرة -حسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية- أن تصريحات هولاند "يمكن أن تبدو ارتجالا لمزحة"، لكنه أشار إلى أن "الارتجال غالبا ما يكون محفوفا بالمخاطر".

وأضاف قائلا "اختتمت سنة 2012 بزيارة دولة ناجحة للرئيس هولاند إلى الجزائر، ولا نرغب في أن تختتم 2013 بخطوة متعثرة".

من جانبه انتقد بشدة الدكتور عبد الرزاق قسوم -رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- ما بدر عن الرئيس الفرنسي، مؤكدا على أن موقفه من تصريحات هولاند "لا يشذ عن موقف كل السياسيين والوطنيين والمجاهدين والمثقفين وكل العلماء المخلصين في الجزائر".

وقال قسوم للجزيرة نت إنه في الوقت الذي تبذل فيه جهود لتحسين العلاقات بين البلدين، وفي وقت تقدم فيه تضحيات وتنازلات من طرف المسؤولين الجزائريين لنظرائهم الفرنسيين لدعم فرنسا اقتصاديا وسياسيا، وبعد الاستقبال غير المسبوق لهولاند خلال زيارته العام الماضي للجزائر، من خلال منحه هدايا اقتصادية ثمينة، يقول إنه إذا عاد وزير داخليته سالما من الجزائر فإن ذلك يعد إنجازا كبيرا. وتابع "هذه إهانة كبيرة لبلدنا ولمسؤولينا ولشعبنا ولكل المجتمع".

وطالب الحكومة الجزائرية بأن ترد بعنف على هذه التصريحات، وأن تنبه السلطات الفرنسية على أن تصريحات رئيسها "عدوان على الجزائريين"، و"عليه تقديم اعتذار رسمي للشعب الجزائري على إساءته وعدوانه عليهم".

وأكد أن رد وزير الخارجية الجزائري غير كاف، وأن على السلطات الجزائرية أن تتخذ خطوات عملية باستدعاء السفير الفرنسي لديها للاحتجاج، ويقدم السفير الجزائري بفرنسا احتجاجا مكتوبا لدى الخارجية الفرنسية.

مجاهد عبد العزيز وصف تصريحات هولاند بأنها "تصريحات وقحة" (الجزيرة نت)

دعوة للردع
من جانبه شن اللواء المتقاعد عبد العزيز مجاهد رئيس أكاديمية شرشال لمختلف الأسلحة سابقا (أكبر مدرسة عسكرية بالجزائر) هجوما حادا على الرئيس هولاند، ووصف تصريحاته بـ"الوقحة"، وقال للجزيرة نت إن هولاند "ليس في مستوى شخص يتولى منصب رئاسة الجمهورية".

ودعا مجاهد سلطات بلاده إلى ردع فرنسا من خلال مراجعة جذرية لعلاقاتها معها، وحسب رأيه فإن غياب الردع من الطرف الجزائري سمح لهولاند بالتطاول على الجزائر وشعبها، لذلك يجب برأيه قطع العلاقات الاقتصادية مع فرنسا، والتعامل مع دول أقوى منها على غرار ألمانيا والصين وروسيا.

بالمقابل أكد الناطق الرسمي لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم) السعيد بوحجة أن موقف حزبه متطابق مع الموقف الرسمي الجزائري.

وفي تقدير بوحجة فإن تصريح هولاند يضرب ويزعزع النوايا الصادقة التي تهدف إلى إقامة علاقات قوية بين البلدين، لذلك يعتقد أن "السلطة الجزائرية يقظة وستبقى كذلك في تعاملها مع فرنسا أو غيرها من الدول الغربية"، لكنه يؤكد للجزيرة نت أن هذه التصريحات لا تضر بالعلاقات بين البلدين، لأن كل بلد بحاجة إلى الآخر، والأمر برأيه لا يستدعي اعتذارا رسميا من الرئاسة الفرنسية، لأن ما صدر عن هولاند برأيه يمكن اعتباره مجرد "هفوة".

وقد أصدرت الرئاسة الفرنسية مساء اليوم بيانا اعتبرت فيه أن الانتقادات التي صدرت في الجزائر وفرنسا من جانب الرئيس فرانسوا هولاند تشكل جدلا لا أساس له.

وحسب البيان المنشور في موقعها على الإنترنت، أكدت الرئاسة الفرنسية أن هولاند يعرب عن أسفه العميق لتأويل تصريحاته، وأنه سيتباحث الأمر مع نظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.

المصدر : الجزيرة