أحمد السباعي

لم يستفق بعدُ المجتمع البريطاني من صدمته رغم مرور أشهر على قيام مواطن بريطاني من أصل نيجيري يدعى مايكل أديبولاجو بقتل جندي بريطاني في وضح النهار بلندن بعدما صدمه بسيارته، ثم قام هو وشريكه مايكل أديبوال بسحب الجندي الذي كان فاقدًا للوعي إلى وسط الشارع وطعناه بساطور حتى الموت، ثم دعوَا المارة إلى تصويره.

وتستقصي الجزيرة هذا الحدث بتحقيق خاص يبث في السادسة والنصف مساء اليوم وتكشف فيه حقائق جديدة.

وأدانت اليوم الخميس محكمة بريطانية أديبولاجو (29 عاما) وشريكه  أديبوال (22 عاما) بتهمة قتل الجندي البريطاني الذي شارك في حرب أفغانستان لي ريغبي (25 عاما) يوم 22 مايو/أيار الماضي. وكان ريغبي حينها في طريقه إلى مكان خدمته بثكنات حي وولويتش جنوبي شرقي لندن.

أديبولاجو ظهر في الفيديو ويداه غارقتان بدماء ريغبي، ثم برر فعلته في فيديو صوره هاوٍ بالقول إن "السبب الوحيد الذي دفعنا لقتل هذا الرجل هو أن المسلمين يُقتلون يوميًا على أيدي الجنود البريطانيين وهذا أحدهم، والعين بالعين والسن بالسن".

وزاد أديبولاجو أثناء محاكمته أن مشاركة بريطانيا في الحرب بأفغانستان تعني أنها حاليًا في "حالة حرب"، وأن قتله للجندي ليس جريمة جنائية ولكنه "عمل حربي".

حرب بلا حدود
الأمر الأول المثير في هذه العملية، كان مسرح الجريمة وهو أحد شوارع لندن، فبعدما كان يُقتل الجندي البريطاني في إحدى ساحات الحروب التي دخلتها بلاده، هو الأن صريع بأحد شوارع عاصمته.

أما الثاني فيتمثل في الأسباب التي دفعت شخصا وُلد ونشأ في بريطانيا إلى قتل جندي بريطاني، باسم "الحرب بين الإسلام والدول الغربية التي غزت أراضي المسلمين"، حسب تعبير أديبولاجو.

وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة حاولت الإجابة عن التساؤلات التي أثارتها هذه العملية وسبر أغوارها بتحقيق استقصائي تحت عنوان "وولويتش.. حرب بلا حدود".

video

وفي هذا التحقيق التقت الجزيرة جيرمايا أخي أديبولاجو للتعرف عن قرب على نشأة هذا الشاب، وما هي العوامل التي أثرت في تكوين شخصيته؟ ولماذا قتل جنديا لم يقابله من قبل؟

جيرمايا الذي رفض إظهار وجهه خوفا على سلامته، قدم تفسيرا استثنائيًا للأسباب التي دفعت أخاه إلى قتل شخص.

تجنيد أديبولاجو
فهو يشك في أن المخابرات الحربية البريطانية (أم.آي5) كانت ترغب في تجنيد أديبولاجو كمخبر، ويجد ما يبرر شكه في تكرار محاولات المخابرات مضايقة أخيه والاستمرار في الاتصال به، والمطالبة بمقابلته، وزياراتهم المتكررة لمنزله، رغم أنه متزوج ولديه عائلة. 

ويضيف أن عناصر المخابرات مارسوا ضغوطا كبيرة عليه حتى في حياته اليومية كي يتعاون معهم بطريقة أو بأخرى، وألمح إلى أنهم بقوا على اتصال بأديبولاجو قبل بضعة أشهر من الحادثة.

هذه المعلومات دفعت مجلس العموم البريطاني (البرلمان) إلى إجراء استجواب بشأن الأسباب التي حالت دون منع شخص كان على اتصال دائم بالمخابرات من قتل الجندي. ويبجث هذا الاستجواب أيضا هل كان لمحاولات تجنيد أديبولاجو أي دور في عملية القتل.

جيرمايا:
عناصر المخابرات مارسوا ضغوطا كبيرة على أخيه حتى في حياته اليومية كي يتعاون معهم بطريقة أو بأخرى، وألمح إلى أن المخابرات بقيت على اتصال بأديبولاجو قبل بضعة أشهر من الحادثة

وقبل "محاولة التجنيد" المزعومة، شكلت رحلة أديبولاجو إلى كينيا عام 2010 بداية لفصل جديد في حياته، فهي لم تكن حياة يتم فيها تطبيق الشريعة والعيش في بلد مسلم كما كان يأمل، بل كانت حياة تشتمل على تواصل دائم مع أجهزة الأمن البريطانية.

واعتقلت القوات الكينية أديبولاجو أثناء محاولته العبور إلى الصومال بتهمة محاولة الانضمام إلى حركة الشباب المجاهدين. واتهم أديبولاجو الشرطة الكينية بتعذيبه خلال فترة اعتقاله، وأضاف أن السلطات البريطانية كانت على علم بذلك. ويضيف جيرمايا أن لندن سمحت لنيروبي باستجوابه بتلك الطريقة.

من جهته رسم محامي أديبولاجو في كينيا علامات استفهام حول عمل الدبلوماسيين البريطانيين في نيروبي الذين قاموا "بتحريره ونقله إلى العاصمة، ثم ترحيله. ولم يرجع بعد ذلك إلى المحكمة، بل اختفى تمامًا، ولم يظهر إلا في بريطانيا".

مقايضة وضغوط
وللتعرف أكثر على كيفية تجنيد المخابرات البريطانية للمخبرين، التقت الجزيرة أيضا "علي"، وهو أحد الأشخاص الذين حاولت المخابرات البريطانية إغراءهم بالمال لتجنيدهم لكنه رفض، فمنعوه من دخول تركيا حيث ينشط هناك في إغاثة اللاجئين السوريين، ولكن هذه المرة كانوا واضحين معه على خلاف أديبولاجو، "لن نسمح لك بدخول تركيا إذا لم تكن مخبرنا في أوساط الجالية المسلمة ببريطانيا، فإذا فعلت وتعاونت سنساعدك على الذهاب إلى تركيا وسوريا أيضا وتزودينا بالمعلومات من هناك".

ويلخص جيرمايا مراحل حياة أخيه بالقول "نشأ نشأة مسيحية، ولم يكن صبيا مثاليا.. لم يرتكب أي جرائم أو يعمل بالمخدرات، اعتنق الإسلام عام 2002 دون علم والديه اللذين ظلا مسيحييْن".

وتروي سيرة تاريخ أديبولاجو أنه بعد اعتناقه الإسلام تقرّب من الداعية عمر بكري وكان يحضر اجتماعات حركته "المهاجرون". وبعد حظر الحركة وترحيل بكري، شارك في مسيرات مناهضة لحربيْ العراق وأفغانستان نظمتها مجموعة منبثقة عن حركة "المهاجرين" التي يرأسها الآن أنجم شودري.

لكن جيرمايا أكد أن هذه العلاقات لم تجعل أخاه متطرفا، "فهو قام بفعلته من باب فهمه الخاص للإسلام والجهاد، بأنه إذا تعرّض أي مسلم لمعاناة فيجب على المسلمين الآخرين الوقوف بجانبه".

وأقر جيرمايا بأن العمل الذي قام به أخوه عنفي، متسائلا في المقابل: أليس ما يقوم به الجنود البريطانيون -والجندي القتيل أحدهم- أعمالا عنفية، "فلكل فعل عنيف رد فعل عنيف".

اختراق المسلمين
وتحدث جيرمايا عن ساحة القتال التي تحولت من الميدان إلى الشوارع، فالطائرات بلا طيار تقصف القرى والسيارات في الطرق بأفغانستان ويسقط مدنيون، "فيجب أن نتساءل: هل هؤلاء الأشخاص جنود؟ هل هي ساحة قتال؟".

أديبولاجو أكد أن قتله للجندي ليس جريمة جنائية ولكنه "عمل حربي" (الفرنسية-أرشيف)

وعن هذا الموضوع يقول مدير الأبحاث بمعهد "كيج" عاصم قرشي إن "الولايات المتحدة شنت الحرب على الإرهاب دون وجود حدود للاختصاص القضائي، وغياب أي قواعد أو قوانين، مما يعني بشكل جوهري أن القانون لم يعد هامًا".

ويتابع أن المهاجمين قالوا لأنفسهم "حسنًا، بما أنهم قد وسعوا قوانين النزاع المسلح ليشمل استخدام القوة مع المسلمين حول العالم، لماذا لا نفعل الشيء ذاته؟".

في المقابل يرى قائد القوات البريطانية السابق بأفغانستان ريتشارد كيمب أنه "لا يمكن المكوث في بلادنا والانتظار حتى يقوموا بتنفيذ هجمات ضدنا، بقنابل يتم إخفاؤها في الأحذية، ومصدرها دول كاليمن والصومال وباكستان".

وواصل أنه يجب على القوات البريطانية الذهاب إلى أماكن تواجدهم، وتنفيذ هجمات ضدهم قبل أن يقوموا بمهاجمتهم، مؤكدا وجوب اختراق أجهزة الأمن للجالية الإسلامية حيث يعمل "المتطرفون الإسلاميون" في البلاد.

وتباينت الآراء بين رجلي دين التقت بهما الجزيرة، حول توصيف قتل أديبولاجو للجندي البريطاني وشرح أسباب العملية، فمنهم من رأى فيها "جريمة صادمة ومقززة لا تمت إلى الإسلام بصلة وخرق للنظام والقانون البريطاني"، مقابل اعتبار أديبولاجو "مسلما قام بواجبه في مواجهة الحرب ضد الإسلام، لأن هذا الجندي الذي قُتل لو طلب منه قصف قرية يقطنها مدنيون بأفغانستان، فإنه لن يرفض".

وسيبث هذا الاستقصاء حسب المواعيد التالية:

الخميس: 18:30
الجمعة: 04:30 و 10:30 و18:30
السبت: 13:30

المصدر : الجزيرة