مفتشو التعليم قالوا إن عدد الساعات المخصصة للغة الفرنسية تفوق تلك المخصصة للعربية (الجزيرة نت)

أحمد الأمين-نواكشوط

تخلد موريتانيا اليوم العالمي للغة العربية وسط جدل بشأن مدى جدية اعتماد العربية لغة رسمية في ظل سيطرة اللغة الفرنسية على مفاصل الإدارة، وارتفاع منسوبها في المناهج التربوية، والتعاطي مع التعريب كقضية سياسية.

ويثير إحياء اليوم العالمي للغة العربية في موريتانيا شجون المتحسرين على واقع لغة الضاد، ويحفز الرافضين للتعريب في بلاد "المليون شاعر" ويعيد الصراع بين الطرفين إلى الواجهة.

ففي أرض المنارة والرباط، وبعد مرور أكثر من عشرين سنة على اعتماد العربية لغة رسمية للبلاد بنص الدستور الموريتاني، ما تزال الفرنسية حاضرة بقوة في الوثائق والعمل الإداري اليومي، ومسيطرة إلى حد كبير على المناهج التربوية.

وباستثناء وزارتين أو ثلاث ما تزال المراسلات والتعليمات المكتوبة والتقارير الإدارية كلها بالفرنسية، وإن صحبت أحيانا بترجمات تقريبية حين يتعلق الأمر بالتقارير المرفوعة إلى مجلس الوزراء أو إلى البرلمان.

وعلى مستوى البرلمان (الجهة المسؤولة عن التشريع) يتدخل بعض النواب والوزراء في جلسات علنية باللغة الفرنسية، كما تتم ترجمة مداخلات النواب بالعربية إلى الفرنسية بشكل فوري وإجباري.

وفي المجال التربوي، تبدو الفرنسية سيدة الموقف من حيث التوقيت وعدد وطبيعة المواد التي تدرس بها، فعدد ساعات تدريس اللغتين متساوية، والتدريس بالعربية يقتصر على مواد العلوم الإنسانية، بينما تدرس المواد العلمية بالفرنسية.

في السنة النهائية من التعليم الأساسي يدرس التلميذ 16 ساعة أسبوعيا بالفرنسية مقابل 14 ساعة بالعربية

سيطرة  فرنسية
ووفق الخبراء التربويين بالمفتشية العامة للتعليم، فإن الإصلاح التربوي الذي صدر سنة 1999 أعطى سيطرة مطلقة للغة الفرنسية في المناهج التربوية.

وبلغة الأرقام، يؤكد مفتشو التعليم المسؤولون عن المناهج أن عدد الساعات التي يتعلمها التلميذ بالفرنسية في مختلف مراحل التعليم تفوق تلك التي يتعلمها بالعربية، ففي السنة النهائية من التعليم الأساسي يدرس التلميذ 16 ساعة في الأسبوع بالفرنسية مقابل 14 ساعة باللغة العربية.

وفي السنة الأخيرة من المرحلة المتوسطة، يدرس التلميذ 14 ساعة في الأسبوع باللغة الفرنسية مقابل 13 ساعة بالعربية.

أما في السنة النهائية من المرحلة الثانوية، فيبلغ عدد الساعات المدرسة بالفرنسية في الشعبة العلمية 23 ساعة أسبوعيا مقابل 16 ساعة بالعربية في نفس السنة من الشعبة الأدبية، وهي الشعبة الوحيدة التي تحضر فيها العربية بشكل بارز.

ويرى كثيرون نوعا من الغرابة والمفارقة في نص الدستور بين رسمية اللغة العربية وسيطرة الفرنسية على واقع الحياة العملية والتربوية.

وفي هذا السياق يعتبر رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة نواكشوط محمد الأمين ولد صهيب أنه بدون تفعيل النص الدستوري عمليا فإنه يظل بلا معنى.

ولد صهيب: بدون تفعيل النص الدستوري عمليا فإنه يظل بلا معنى (الجزيرة نت)

إرادة سياسية
ويقول ولد صهيب -في حديث للجزيرة نت- إن ذلك يتطلب وجود إرادة سياسية صادقة وجازمة، وتحقيق جملة من الشروط، مثل "اشتراط معرفة اللغة العربية لدخول الوظيفة العمومية وممارسة العمل في القطاعات الحكومية والمؤسسات العامة".

ومن جانبه، يرى المفتش بوزارة التعليم محمد عبد الرحمن ولد محمد الدنبجة أن هنالك جملة من العوامل ساهمت في وجود التناقض الحاصل بين النص الدستوري والواقع العملي، أهمها غياب إرادة جادة في ترسيم العربية وتجذيرها في الحياة العملية.

ويقول -في حديث للجزيرة نت- إنه لا توجد رؤية واضحة وإرادة صادقة لجعل العربية لغة عمل وتدريس وخطاب رسمي، وكل ما هنالك هو قرارات سياسية تطبعها الظرفية والارتجالية في كثير من الأحيان.

ويلاحظ الدنبجة وزملاؤه المفتشون أن هناك عوامل تؤثر سلبا على انتشار العربية في الإدارة، من أهمها اعتبار التعريب قضية سياسية لا ثقافية تربوية، ونقص الثقة في النفس لدى الكثير من المتعربين، وسيطرة المصطلح الفرنسي والثقافة الإدارية الفرنسية في قطاعات عمومية كثيرة، فضلا عن وجود دعم وتشجيع مستمر من أطراف خارجية لبقاء الفرنسية حاضرة في حياتنا.

أحمد عيسى ولد يسلم:
إذا كانت هنالك بعض النواقص فإنها تعود إلى تراكمات تاريخية ووجود أطر بموقع المسؤولية تلقوا كل تعليمهم بالفرنسية

مراجعة المناهج
ويعتقد هؤلاء أن تجاوز هذا الواقع يتطلب مراجعة المناهج التربوية، ووجود إرادة سياسية لتجسيد النص الدستوري، وتجاوز حالة الانفعال التي تصاحب أي حديث عن التعريب.

ويؤكد المسؤول بأمانة الإعلام في الاتحاد من أجل الجمهورية (الحزب الحاكم) أحمد عيسى ولد يسلم أن الإرادة السياسية موجودة ومجسدة في الخطاب الرسمي.

ويقول ولد يسلم -في حديث للجزيرة نت- إن كل رسائل وخطابات الرئيس محمد ولد عبد العزيز تتم باللغة العربية، وهنالك تعليمات صارمة للمسؤولين الحكوميين باستخدام العربية في المراسلات والتقارير الإدارية.

ويضيف أنه "إذا كانت هنالك بعض النواقص فإنها تعود إلى تراكمات تاريخية، ووجود أطر في موقع المسؤولية تلقوا كل تعليمهم باللغة الفرنسية".

وبخصوص المناهج التربوية، يقول ولد يسلم "نحن واعون لما سببه إصلاح 1999 من مشاكل، ولذلك قمنا بتنظيم منتديات عامة للتعليم، أشركنا فيها كل المعنيين والمهتمين بإصلاح التعليم ستجد طريقها للتطبيق قريبا، وستمكن من إعطاء اللغة العربية مكانتها اللائقة إن شاء الله".

المصدر : الجزيرة