الإمام: العربية لغة المستقبل وستظل، والعاجز من لا يستطيع أن يفعل قرارا يخلد به في التاريخ
(الجزيرة نت)
حاوره أحمد الأمين
 
قال رئيس مجلس أمناء جمعية الضاد بموريتانيا ناجي محمد الإمام إن الشعب الموريتاني متمسك بلغته العربية ولن تتمكن أي جهة من صده عن ترسيمها وتعزيز مكانتها، لافتا إلى أن طرح التعريب كقضية سياسية بضاعة انتهت صلاحيتها.

وقال ناجي الذي يعتبر من أبرز شعراء موريتانيا المعاصرين -في مقابلة مع الجزيرة نت- إن التعريب في موريتانيا أصبح واقعا بحكم النص الدستوري، والعدد الكبير من الكوادر المتعلمة باللغة العربية.

واعتبر أن أي حكم لا يبادر إلى تفعيل المادة التي تنص على رسمية اللغة العربية هو حكم يناقض مجرى التاريخ، ويخالف القانون ودستور وشريعة المجتمع، وسيحاسبه التاريخ عاجلا أو آجلا، مضيفا أنه من الجميل "أن نوزع القطع الأرضية على الفقراء، وأن نفتح دكاكين تبيع بأسعار مخفضة، لكن الذي سيكتب للتاريخ هو استعادة هوية شعب أو تحريره أو إقامة جسر بينه والمستقبل من خلال ذاته".

واستغرب الشاعر ناجي حساسية البعض في موريتانيا من ترسيم اللغة العربية، وتساءل لماذا يعتبرون التعريب عزلا لهم ولا يعتبرون الفرنسية كذلك؟ ولماذا يفكرون في أن ذلك يشكل عزلا لأفراد أو مجموعة محدودة ولا يفكرون في أن منع التعريب يشكل عزلا لمجتمع بكامله.

ورغم أن رئيس مجلس أمناء جمعية الضاد أقر أن اللغة العربية في موريتانيا تواجه بعض الإشكالات، فإنه عبر عن ثقته في أنها ستتغلب على هذه الإشكالات. وفيما يلي نص الحوار.

  كيف تنظرون إلى واقع اللغة العربية اليوم في موريتانيا؟

- واقع اللغة العربية في موريتانيا واقعان، واقع بشري نخبوي وشعبي يتسم بعروبة شبه مطلقة لدرجة وجود قطيعة بين التعريب التقليدي والتعريب الحداثي، أو بين العروبية الحداثية والعلاقة التقليدية باللغة العربية التي كانت مطبوعة بالطابع الغيبي.

وسنوات تعريب التعليم التي مرت بها موريتانيا كانت لها حسنات وسيئات، فمن حسناتها أنها خلقت طبقة من الشرائح الحية للمجتمع الموريتاني معربة بالكامل، ففرضوا وجودهم كمعربين ليس لهم إلا ذلك.

وقد رافق ذلك تدهور في اللغة الفرنسية ما زالت تعاني منه وانكماش في علاقة المتحذلق بها كلغة رقي، حيث أصبحت لغة الرقي هي الإنجليزية كما هو الحال في مختلف بلدان العالم، وأصبح الحاجز بين اللغة الفرنسية والمثقفين في موريتانيا ليس لغويا فقط وإنما هو حاجز يمكن أن أسميه "حاجز استغباء" باعتبارها لغة تجاوزها الزمن.

وهذا واقع يعتبر جيدا بالنسبة للغة العربية، وهو واقع سيفرض نفسه على الساحة قريبا حسب المعطيات العلمية البحتة، لأن من يتعلمون لغة ويتكلمون بها لا بد أن يعملوا بها، ولا بد أن يقدموا أنفسهم من خلالها سياسة وثقافة واقتصادا وغير ذلك.

أما الواقع الثاني فهو وجود دائرة متشبثة باللغة الفرنسية وتعتبر أن أي تعريب أو أي استعمال للغة العربية هو قضاء عليها، وبتناقصها عدديا وزمنيا يتناقص الحائل دون ترسيم اللغة العربية واستعماله في مجالات العمل وشؤون الحياة المختلفة.

ومن هنا فأنا لست متشائما لأن الواقع يفرض نتائجه، وهناك ما يسميه الأستاذ هيكل طبيعة الأشياء، وطبيعة الأشياء أن اللغة العربية متوجهة قطعا إلى أن تحل محَـلها ومحِـلها.

وهذا شيء أكيد للأسباب التي ذكرنا ولحتمية التاريخ، فاللغة العربية الآن في موقع جيد على الخريطة اللغوية العالمية، وعلميا بقاء اللغة العربية مؤكد أكثر من بقاء أية لغة أخرى، والخريطة الجينية التي عكف عليها الخبراء أثبتت أنها لم تستخدم حتى الآن في المصطلح العلمي إلا بنسبة ثلاثين بالمائة، وأنه خلال خمسين سنة ستستنفد اللغة الإنجليزية هامشها في إنتاج المصطلحات بينما لن يستنفد الهامش المصطلحي للغة العربية مهما اخترع العالم من اختراعات.

وطالما أن "كلمات ربي" منها وبها فلن تنفد كلمات ربي، وهذه حقائق علمية يعرفها القاصي والداني، وإن لم يقر بها.

  لكن البعض يلاحظ أن العربية رغم ترسيمها دستوريا ما تزال شبه غائبة في التعاملات الإدارية؟

- لا يخامرنا شك في أن اللغة العربية تعاني من بعض الإشكالات، لكن لا يخامرنا شك في أنها ستتغلب على هذه الإشكالات بطبيعة الأشياء التي ذكرت.

صحيح أن هنالك مفارقة هي أن الدستور رسم اللغة -وحسنات الدساتير أنها تقر الواقع وتؤسس لتطلعات المجتمع- ولم يتم تجسيد هذا الترسيم عمليا.

لكن حين تقر الوثيقة الأساسية أمرا ولا يعمل بمقتضاه الفاعل السياسي أو الحكومي فذلك سيعرض صاحب القرار لتبعات موقف سيحاسبه عليه التاريخ عاجلا أو آجلا. والآجل في عالم السياسة أخطر وأكثر أهمية من العاجل.

إذن فأي حكم لا يبادر إلى تفعيل المادة التي تنص على رسمية اللغة العربية هو حكم يناقض مجرى التاريخ، ويخالف القانون ودستور وشريعة المجتمع.

  هل ترون التمكين للتعريب في موريتانيا يتم بقرار وإرادة سياسية أم من خلال منهج وتخطيط تربوي؟

- التعريب انتشر بواقع تربوي، لكن الواقع التربوي كان بقرار سياسي، ولما ارتكس القرار السياسي عن متابعة المهمة -مع ما فيها من هنات- توقف التعريب على مستوى الإدارة ولكن التعريب لم يتوقف نظرا لكثافة الأطر المتدربين والمتعلمين باللغة العربية الذين تحدثنا عنهم من قبل.

ومن الملاحظ أنه في السنغال المجاورة أصبحت الدكتوراه تناقش باللغة العربية في جامعة الشيخ عنتا جوب، ونحن ما زلنا نراوح مكاننا ونتحدث عما لم يعد موجب للحديث عنه.

فاللغة العربية الآن هي لغة المستقبل وستظل كذلك، والعاجز من لا يستطيع أن يفعل قرارا يخلد به في التاريخ.

لقد قلت مرات: شيء جميل أن نوزع القطع الأرضية على الفقراء، وأن نفتح دكاكين تبيع بأسعار مخفضة، لكن الذي سيكتب للتاريخ هو استعادة هوية شعب أو تحريره أو إقامة جسر بينه والمستقبل من خلال ذاته.

 غالبا ما يطرح التعريب قي موريتانيا كقضية سياسية ونادرا ما تم التعامل معه كمسألة ثقافية، فهل أثر ذلك سلبا على انتشار التعريب؟

- كلا، لم يؤثر ذلك، وهذه حجة الضعفاء، فكلما تقدمت اللغة العربية خطوة وتقدم أهلها خطوة قام النذير بأن هذا يراد منه عزل أو غبن فئة أخرى.

ولو كانت هناك أقلية فرنسية لعذرتها ولطالبت بتدريس لغتها ولدافعت عن حقها في ذلك، ولكن أن تكون هناك مجموعة لا هم لها ولا هدف إلا وضع العصي في دواليب تقدم الشعب الموريتاني من خلال لغته، فهذا فعل يرقى إلى مستوى الخيانة.

وأنا أستغرب هذا الطرح، فلماذا لا يتعلم أصحاب هذا الطرح لغة أبناء شعبهم كما تعلموا الفرنسية؟ ولماذا يعتبرون التعريب عزلا لهم ولا يعتبرون الفرنسية كذلك؟ ولماذا يفكرون في أن التعريب عزل لأفراد أو مجموعة محدودة ولا يفكرون في أن منعه عزل مجتمع بكامله؟

إن طرح التعريب كقضية سياسية بضاعة بائرة انتهت صلاحيتها، وهو أمر لم يعد له أي مدلول، فنسبة تسعين بالمائة من الشعب الموريتاني ناطقة باللغة العربية (لن أقول عربا حتى لا أستجدي انتماء هو في واقع الحال قائم) وبأفصح لهجة عربية هي الحسانية، والناطقون بها لن يحول أحد بينهم وترسيم لغتهم.

المصدر : الجزيرة