عبد المالك سلال (يمين) مع نظيره الفرنسي جان مارك إيرولت (رويترز)
ياسين بودهان-الجزائر

تباينت المواقف في الجزائر تجاه زيارة رئيس الوزراء الفرنسي جان مارك إيرولت، ففي الوقت الذي اعتبرتها الحكومة دليل عمق العلاقات الثنائية بين البلدين، شككت أطراف أخرى في نوايا باريس تجاه هذه الزيارة قبل أربعة أشهر من انتخابات الرئاسة، واتهمت الحكومة الفرنسية باستغلال الجزائر لإنقاذ اقتصادها المتهاوي، مقابل صفقة بينها وبين النظام الجزائري.

وحسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية فإن أشغال اللجنة الحكومية المشتركة الأولى الرفيعة المستوى -التي ترأسها الاثنين بالجزائر العاصمة مناصفة الوزير الأول الجزائري مع نظيره الفرنسي- توجت بالتوقيع على عدة اتفاقيات تعاون في مجالات مختلفة، وبتجديد إرادة البلدين للعمل سويا لصالح السلم والأمن الإقليمي والدولي.

وخلال اختتام منتدى الأعمال الجزائري الفرنسي بحضور 150 رجل أعمال من البلدين، أعرب الوزير الأول الجزائري عبد المالك سلال عن ارتياحه "للتطور المعتبر" الذي تعرفه المشاريع الاستثمارية المشتركة التي باشرتها الجزائر وفرنسا.
 
وأكد أن "نتائج هذا التقدم ستعطي نتائجها عما قريب"، مؤكدا أن "المؤسسات الفرنسية التي تعرف جيدا السوق الجزائرية يمكنها أن تكون مطمئنة للإرادة السياسية الجزائرية حول تشجيع الشراكة التي تعود بالفائدة على الطرفين".

وإذا كانت السلطات الرسمية الجزائرية عبرت عن ارتياحها من نتائج الزيارة التي انتهت اليوم، فإن أحزاب المعارضة وبعض المحللين الاقتصاديين لهم رأي آخر.
 
فقد رأى البعض منهم أن كثافة الزيارات الرسمية بين مسؤولي البلدين على مقربة من الانتخابات الرئاسية يثير العديد من التساؤلات، وتخوف البعض من إبرام صفقة بين النظام الجزائري وفرنسا في هذا الإطار، في حين يرى آخرون أن فرنسا تبحث فقط عن مصالحها الاقتصادية، وإنقاذ اقتصادها المتهاوي بلجوئها إلى الجزائر، التي باتت برأيهم تسيل لعاب الكثير من الدول بسبب امتلاكها وفرة مالية كبيرة.
 
مناصرة: أغلب الاتفاقات المبرمة ذات بعد سياسي (الجزيرة نت)
مشاركة واسعة 
وفي السياق أشارت مجموعة الذاكرة والسيادة -التي تضم 17 حزبا سياسيا، منها حركة مجتمع السلم وحركة النهضة- في بيان لها موقع من طرف رئيس حزب الفجر الجديد الطاهر بن بعيبش حصلت الجزيرة نت على نسخة منه، أنه كان الأجدر بالحكومة الفرنسية أن ترجئ حضور هذا العدد الكبير من الوزراء الفرنسيين إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، إن كانت لها نية صادقة في التعاون.

وعبرت المجموعة عن مخاوفها بوجود صفقة بين الحكومة الفرنسية والنظام الجزائري في هذه الانتخابات، وفقا لمبدأ "خذ ما تشاء واتركني أفعل ما أشاء". ورفضت أي ابتزاز للمقدرات الوطنية ورهن الاقتصاد الجزائري بإنعاش الاقتصاد الفرنسي، التي قالت إنه يتهاوى ويعاني من أزمة سيولة خطيرة، مقابل تحقيق رضا سياسي غامض.

كما نددت بسياسة الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير الاستثمارية، بفتح المجال أمام المطالب الفرنسية، مقابل التضييق على أطراف استثمارية أخرى غير مرغوب فيها من طرف النظام الجزائري، وأكدت المجموعة أن "هذه الصفقات باطلة وستكون حجر عثرة في توطيد العلاقة بين البلدين مستقبلا".

من جانبه استغرب عبد المجيد مناصرة وزير الصناعة الأسبق الكثافة غير المعهودة للزيارات الرسمية المتبادلة بين مسؤولي البلدين خلال الفترة الأخيرة، وهي الزيارات التي قال إنها كانت مشفوعة ببعض التصريحات المليئة بالمجاملات.
 
 مسدور: فرنسا الآن تمر بمرحلة اقتصادية خانقة (الجزيرة نت)
توازن المصالح
وحسب مناصرة فإن فرنسا تريد استغلال الوضع الهش للجزائر قبل أربعة أشهر من انتخابات الرئاسة لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية على حساب الجزائر.
 
وبرأيه فإن أغلب الاتفاقات المبرمة ذات بعد سياسي، وفرنسا حسب تقديره تريد أن تتعامل مع الجزائر وفقا للمصلحة التجارية وليس للمصلحة الاستثمارية.

وأكد أنه لا يعارض الزيارة، لكنه يلح على ضرورة التوازن في المصالح، وعدم الخضوع للطرف الفرنسي.

أما أستاذ الاقتصاد بجامعة البليدة فارس مسدور فأكد للجزيرة نت أن الزيارة محاولة لتجسيد كل الاتفاقات التي تم إبرامها بين الطرفين خلال زيارة فرانسوا هولاند العام الماضي للجزائر، والمتعلقة باستثمارات فاقت أربعين مليار يورو، وكذلك الاتفاقات الجديدة المبرمة والمقدر عددها بـ13 اتفاقية.

ورأى مسدور أن فرنسا تريد أن تكون المتعامل الاقتصادي رقم واحد في مجال الاستثمارات، بعد أن كانت كذلك في مجال التصدير والاستيراد، ذلك أن الفوائض المالية المحققة للجزائر -حسب مسدور- أسالت لعاب الفرنسيين، وهم يريدون أن يحلوا أزماتهم بالجزائر.

ويكشف مسدور أن فرنسا الآن تمر بمرحلة اقتصادية خانقة، وهم لا يريدون إثارة الموضوع إعلاميا بشكل فاضح، ووصل بهم الحال إلى الاقتراض من الجزائر خمسة مليارات يورو، ولذلك يجب على الجزائر -حسب مسدور- أن تكون حذرة في تعاملها مع الفرنسيين.

المصدر : الجزيرة