موريتانية تدلي بصوتها في الانتخابات البرلمانية والمحلية (الجزيرة-أرشيف)

أحمد الأمين-نواكشوط

على إيقاع سياسي هادئ نسبيا، وحراك معارض خف حماسه لتجييش الشارع، ودعت موريتانيا سنة 2012 مصطحبة معها أهم ملفاتها وقضاياها المحورية سياسيا واجتماعيا وحقوقيا، لتنضاف إليها ملفات أخرى، بعضها فرضته التغيرات المناخية، فكانت سنة 2013 سنة الاستقطاب والتجاذب السياسي، وسنة تهديد العاصمة نواكشوط بالغرق، وسنة الانتخابات بمن حضر.

سنة 2013 كانت سنة سياسية بامتياز، فرغم ما أصاب الحراك الحزبي المعارض من فتور، ورغم تراجع خطاب "الترحيل" بقوة الشارع، فقد ظل الملف السياسي حاضرا بقوة واحتفظ بموقع الصدارة، وكان طابع الاستقطاب والتجاذب الذي حكمه في سنة 2012 سيد الموقف سنة 2013.

ومع أن المعارضة خففت من حدة خطابها في الأشهر الأولى من السنة، فإن وصفها للنظام بعدم الشرعية، واتهامها له بالفساد المالي، ونعته بالدكتاتورية، ظلت محاور ثابتة في خطابها، واحتفظت أغلب أحزابها بموقفها الرافض للتعاطي مع النظام، أحيانا بحجة انعدام الثقة في وفائه بالتزاماته، وأحيانا أخرى بحجة أحاديته وانفراده بالقرار.

ولم تستطع مبادرة رئيس البرلمان مسعود ولد بلخير حلحلة هذا الواقع رغم ما تضمنته من بنود كانت مطالب للمعارضة، مثل تشكيل حكومة توافقية، وإنشاء هيئة محايدة للإشراف على الانتخابات.

التجاذب السياسي
وإذا كان عنوان الملف السياسي خلال 2012 هو ترحيل النظام بقوة الشارع، فقد كان العنوان في سنة 2013 هو ترحيله عبر صناديق الاقتراع. وبفعل هذا التحول قفز ملف الانتخابات إلى الواجهة ليشكل موضوعا للتجاذب السياسي بين المعارضة والسلطة، وبين المعارضة المحاورة والمعارضة الرافضة، بل وبين مكونات هذه الأخيرة.

فقد رأى النظام أن كل الضمانات والشروط قد توافرت لضمان نزاهة وشفافية الانتخابات، حيث تم تشكيل لجنة وطنية مستقلة تتولى الإشراف الكامل على الانتخابات، وضبطت الحالة المدنية وأعدت لائحة انتخابية جديدة من طرف اللجنة.

لكن المعارضة الرافضة رأت أن اللجنة خاضعة لسلطة النظام وتأتمر بأوامره، وأن نظام الحالة المدنية مشكوك فيه وفي الطريقة التي تم بها، ومن ثم فلا بد من مراجعته. وكان طلبها الأكثر إلحاحا هو ابتعاد الجهاز التنفيذي عن العملية الانتخابية، ووجود ضمانات بعدم تدخل الدولة أو استغلال سلطتها وسلطانها للتأثير على الناخبين.

وأمام هذا التجاذب بدأت بعض الأطراف -وخاصة رئيس الجمعية الوطنية- جهودا للتقريب بين الطرفين، مما أثمر لقاء الوزير الأول ببعض قادة المعارضة والاتفاق على حوار سياسي بينهما انطلق في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، لكنه توقف بعد أيام قليلة دون الوصول إلى أي نتيجة، فقررت الحكومة إجراء الانتخابات بمن حضر.

أكثر من ستين حزبا شاركت
في
انتخابات 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي
(الجزيرة-أرشيف)

إجراء الانتخابات
وكان بين الحاضرين من المعارضة غير المحاورة حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) الذي رأى أن المشاركة هي الخيار الأمثل، رغم تحفظاته على المسار الانتخابي برمته.

وجرت الانتخابات يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بمشاركة أكثر من ستين حزبا سياسيا، بينها أربعة أحزاب من المعارضة، وقاطعتها عشرة أحزاب معارضة منها بعض أكبر الأحزاب الموريتانية.

وشكل موسم الأمطار هذه السنة سببا آخر للتجاذب السياسي بين الموالاة والمعارضة، فقد غرقت معظم شوارع العاصمة الموريتانية وحوصرت بعض أحيائها ومرافقها الحيوية بمياه الأمطار التي تساقطت عليها، فاحتفظ بها سطح الأرض نظرا لعدم وجود شبكة للصرف الصحي أو لتصريف مياه الأمطار.

واغتنمت المعارضة المناسبة لتعيد الحديث عن "فساد" و"عجز" الحكومة وعدم اهتمامها بحياة المواطنين، وكاد الحديث عن السياسة والانتخابات يختفي تحت هذه المياه، وعاد الحديث عن تهديد العاصمة الموريتانية بالغرق، لدرجة جعلت البعض -ومن بينهم منتخبون- يطالب بترحيل نواكشوط واختيار مكان آخر لبناء عاصمة للدولة لا تهددها مياه البحر ولا تغرقها مياه الأمطار.

 السلفيون المعتقلون خارج نواكشوط أحد الملفات الحقوقية التي برزت في 2013
(الجزيرة نت-أرشيف)

ملف العبودية
وكما كان الملف الحقوقي حاضرا في سنة 2012 فقد احتفظ بموقعه هذه السنة، فظل بعض الحقوقيين يطرح بإلحاح ملف العبودية في موريتانيا، وبلغت إحدى المنظمات الناشطة في هذا المجال (المبادرة من أجل الانعتاق بقيادة برام ولد اعبيدي)عن حالات استرقاق، وواجهت قوات الأمن في مدينة بتلميت (250 كلم شرق نواكشوط) واتهمتها بعدم تطبيق القانون المجرّم للعبودية وبالتواطؤ مع ممارسي الرق.

وجاء تقرير منظمة "ووك فري" الذي صدر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وصنف موريتانيا في المرتبة الأولى عالميا من حيث نسبة المستعبدين والمهددين بالاستعباد، ليدفع بالملف الحقوقي إلى الواجهة من جديد.

الحكومة -وإن كانت لا تعترف بوجود الرق- أخذت خطوة في سنة 2013 لمعالجة آثار الاسترقاق بإنشاء وكالة لمكافحة آثاره، ووفرت لها تمويلات كبيرة بهدف الرفع من المستوى المعيشي للأرقاء السابقين ودعمهم اقتصاديا عبر تمويل مشاريع استثمارية.

وإلى جانب ملف الرق، كان ملف السلفيين المعتقلين خارج نواكشوط أحد الملفات الحقوقية التي برزت هذه السنة، حيث بدأت أسر 14 معتقلا سلفيا نقلوا إلى جهة غير معروفة حراكا من أجل معرفة أماكنهم والسماح بزيارتهم، معتبرة أن ما تعرضوا له يعتبر إخفاء قسريا.

وإذا كانت موريتانيا قد استقبلت سنة 2013 وهي تطالب بإجراء انتخابات برلمانية ومحلية تخرج البلاد من أزمتها السياسية، فإنها اليوم تودعها وقد جرت هذه الانتخابات رغم مقاطعة البعض لها.

لكن المفارقة أن هذه الانتخابات لم تفلح في تخفيف حدة الاستقطاب بين المعارضة والنظام، ولم تقنع نتائجها الرافضين بمراجعة مواقفهم، وربما دعت آخرين من الغاضبين إلى اللحاق بهم وتبني مواقفهم.

وكل ما أنتجته حتى الآن هو برلمان متعدد -على الأقل من حيث عدد عناوين الأحزاب- بأغلبية موالية، ومعارضة حاضرة من حيث الطرح وتنوع الرؤى.

المصدر : الجزيرة