نازحون سوريون يبحثون عن الدفء بمخيمات تربل والفاعور في قضاء زحلة (الجزيرة)

علي سعد-بيروت

لم تجد فاطمة وابنتها صاحبة الستة أشهر مكانا في لبنان يقيهما من برد الشتاء فافترشتا رصيف شارع الحمراء البيروتي الشهير في يوم شديد البرد تستجديان المارة بعدما تقطعت بهما سبل الحياة في سوريا.

قررت الأم التي بقي زوجها هناك، إحضار ابنتها للبنان طمعا بالأمان، لكن فاطمة لم تجد ما كانت تحلم به, ولا المساعدات الدولية التي لم تصل بعد. احتضنتهما.. وحده رصيف الحمرا يلجآن إليه نهارا، و"جسر الكولا" يحتضنهما ليلا.

وليس بعيدا عن فاطمة تجلس امرأة أخرى على رصيف الحمرا تحتضن ولدا كاد يتوقف قلبه بسبب الصقيع قبل أن يمنحها فاعل خير معطفه الخاص لكي تغطيه به. وإلى جانبها يقف صبيان يبيعان مظلات تحمي من الشتاء بينما لا شيء يحميهما سوى قطعة ثياب بالية وتشبثهما بالحياة.

وتشير تقديرات مفوضية اللاجئين في لبنان إلى أن عدد النازحين تخطى الثمانمائة ألف نازح، لكن مصادر رسمية تؤكد أن عدد هؤلاء الفعلي وصل إلى ما يناهز المليون ونصف المليون أي ما يساوي حوالي 30% من عدد سكان لبنان، وهو ما يلقي على كاهل البلد أثقالا لا قدرة له على تحملها.

يتعاونان على حمل أسطوانة غاز بمخيمات تربل والفاعور في قضاء زحلة (الجزيرة)
وتقول فاطمة للجزيرة نت إن مساعدات المفوضية لا تكفي لشيء، وما حصلوا عليه هو بعض البطانيات القليلة التي لا تكفيها مع ابنتها وحوالي عشرة أشخاص يبيتون تحت جسر الكولا، سرعان ما تتفتت هذه البطانيات بسبب نوعيتها الرديئة. وتضيف "لو أننا نحصل على ما يكفي قوتنا اليومي على الأقل لما اضطررنا أن نجلس على الرصيف ونتسول، ونترك أبناءنا في هذا البرد القارس".

لكن الناطقة باسم مفوضية اللاجئين بلبنان أكدت أن المفوضية بدأت بالتحضير لفصل الشتاء منذ بداية أكتوبر/تشرين الأول عبر توزيع الصوبيات (مدافئ المازوت) وقسائم تعبئة المازوت إضافة إلى الأغطية. وأشارت إلى وجود مشكلتين رئيسيتين تواجهان المفوضية تتمثلان في نقص التمويل، وضعف قدرة لبنان على استيعاب هذا العدد الهائل من النازحين.

وأشارت دانا سليمان إلى أن المفوضية التابعة للأمم المتحدة حاولت مع شركائها بالمجتمع المدني إغاثة أكثر من مائة ألف نازح سوري يعيشون في خيم غير مجهزة للشتاء عبر توزيع مساعدات تعينهم على تدعيم هذه الخيم كي لا تقع على رؤوسهم، لافتة إلى أنه "لا قدرة لدينا لإيجاد مكان كبير أكثر أمنا يمكننا نقل هؤلاء النازحين إليه".

يحمل طفلته تحت الثلج في قضاء زحلة (الجزيرة)

عقدة القواعد
ويشتكي الكثير من النازحين من بطء إجراءات التسجيل عند المفوضية والتي قد تصل إلى أكثر من شهر في بعض الأوقات. وأكدت دانا أن هناك عددا كبيرا من النازحين غير المسجلين خاصة الذين وصلوا حديثا والذين لم يمكن توفير مساعدات ملائمة لهم، مضيفة أن المفوضية تعمل على تسجيل هؤلاء بسرعة لكنها تصطدم بقواعد عملها التي تنص على مساعدة النازحين الهاربين فقط، ما يفرض اتخاذ إجراءات للتأكد من هذا الموضوع.

ومرت العاصفة التي ضربت لبنان منذ الثلاثاء الماضي صعبة جدا على النازحين الذين يعيشون في مخيمات خاصة بالمناطق المرتفعة عن سطح البحر، حيث تساقطت الثلوج على ارتفاع خمسمائة متر، وتدنت درجات الحرارة لحوالي الصفر في ظل عدم وجود أي من مقومات الاستمرار.

ويحمّل أحمد الفليطي نائب رئيس بلدية عرسال التي تحتضن أكثر من خمسين ألف نازح "الروتين الإداري البطيء في مفوضية اللاجئين، المسؤولية عما عاناه النازحون خلال العاصفة" لافتا إلى أن أي إجراءات لحماية حوالي أربعة آلاف عائلة نزحت مؤخرا بسبب المعارك الدائرة في القلمون، لم تتخذ.

وشدد للجزيرة نت على أن التجهيزات لمواجهة العاصفة كان يجب أن تصل أسرع خاصة أن التحذيرات منها قد بدأت قبل فترة، مضيفا أن النازحين عاشوا يومين بغاية الصعوبة مع بداية العاصفة، قبل أن تقوم بلدية عرسال بجمع التبرعات معتمدة على "أهل الخير" لتأمين المازوت للتدفئة، كما قامت الهيئة الطبية بالقرية بتأمين أدوية والإشراف على المرضى، لكنه حذر من نقص بأدوية أمراض "الرشح" التي يسببها هذا الطقس.

المصدر : الجزيرة