أحمد يعمل بغازي عنتاب في ظروف قاسية لإعالة أهله في سوريا (الجزيرة نت)

ناريمان عثمان-غازي عنتاب

في الليالي الباردة بغازي عنتاب التركية، حين يمشي الناس إلى بيوتهم يطلبون الدفء فيها، ينادي عليهم أحمد -الصبي السوري البالغ من العمر 14 عاما- ليشتروا منه الذرة وأحيانا السحلب، ثم يدفع العربة أمامه ويذهب لينام في سيارة مع اثنين من رفاقه.

كل صباح يقرر صاحب العمل على أية عربة سيعمل أحمد، فقد يختار عربة الذرة أو عربة بيع مشروب محلي ساخن يطلق عليه "السحلب".

كان لدى هذا الفتى بيت في حلب يعيش فيه مع أمه وأبيه وإخوته لكنه دُمر. يقول إن "ثلاثة طوابق دُمرت كلها، لم يبق لنا مأوى في حلب. انتقلت أسرتي إلى الريف، وأنا جئت إلى تركيا لأعمل. لا يوجد عمل في سوريا ويجب أن أساعد أهلي".

وكانت لديه مدرسة أيضا وتوقف عن ارتيادها منذ أن اشتعل العنف في حيه، وأعرب الصبي عن قلقه على أهله لأنهم انتقلوا إلى منطقة جديدة وهم غرباء فيها، ويخشى ألا يلاقوا معاملة حسنة، وطلب ألا يُنشر اسمه الحقيقي الكامل خوفا عليهم.

يعمل أحمد ساعات طويلة بمبلغ زهيد
(الجزيرة نت)

معاناة واستغلال
ليس من سقف بيت يؤويه لذا يعيش في سيارة كانت حافلة صغيرة لنقل الركاب، وهي أضيق من أن ينام فيها ثلاثة أشخاص. ويعود الثلاثة منهكين من أعمالهم بعد منتصف الليل، ليغطوا في النوم رغم رداءة المكان، ثم يذهب كل إلى عمله في الصباح الباكر.

وطبعا لا يوجد حمام في السيارة، لهذا لا يستحم أحمد إلا كل عدة أسابيع. وقال "ذهبت بالأمس إلى مسبح عام، دفعت عشرين ليرة لأنزل في الماء وأخرج، وبهذا أكون قد أخذت حماما. أنا لم آت هنا لأتسلى، لذلك لم أقصد المسبح للاستمتاع بالسباحة مثل آخرين يستطيع أهلهم توفير حياة جيدة لهم".

ورغم كل هذا يعتبر الفتى أن وضعه أفضل من سوريين آخرين في غازي عنتاب، واصفا حالهم بالأسوأ حيث اضطر بعض معارفه للنوم في الحدائق العامة.

ويتقاضى هذا الصبي مبلغا زهيدا مما يبيعه على العربة كل يوم. يحاول أن تقتصر نفقاته على طعامه فقط، ويوفر القسم الأكبر لإعالة والديه وأخواته الثلاث في سوريا. وحتما كان دخله سيتضاعف مرات عديدة لو كان يمتلك تلك العربة القديمة التي يبيع عليها.

لكن أحمد يقول إنه لا يستطيع أن يمتلك عربة لبيع الذرة في غازي عنتاب رغم أنها ليست غالية الثمن، ويمكنه توفير ثمنها الذي يبلغ 250 دولارا تقريبا. وهو مضطر للعمل عند الرجل التركي الذي يمتلك مجموعة من العربات الموزعة في المدينة ويعمل عليها أشخاص مثل أحمد.

يقول أحمد إنه لا يستطيع أن يمتلك عربة لبيع الذرة في غازي عنتاب لأن أصحاب العربات لا يسمحون لغيرهم بمزاحمتهم، ويستدل على ذلك بشاب تركي حاول كسر هذا الاحتكار فتعرض للعقاب

قال "هناك شاب تركي حاول ذلك، وقرر أن يشتري عربة ويعمل بمفرده. لكنهم عاقبوه وآذوه بشدة، فجميع العربات في المدينة يمتلكها بضعة رجال ويمنعون سواهم من العمل. لهذا لا أستطيع أنا التفكير بذلك، ويجب أن أستمر في العمل على هذا النحو".

مضايقات
تعلم أحمد قليلا من التركية للتواصل مع زبائنه، ويقول إنه يبيع بسعر مخفض للسوريين. وخلال وقوفه طوال الوقت في الشارع ولساعة متأخرة من الليل يتعرض أحيانا لمضايقات.

يقول إنه "قد يمر أحدهم وهو مخمور ويطلب أن أبيعه بلا مقابل، وقد يشهر سكينا في وجهي إذا لم أعطه، أو يكسر زجاجة ويحاول طعني بها".

وتحدث أحمد -الذي كبُر قبل أوانه- عن مواقف عديدة عاشها في ليل الشوارع حيث تمر به نساء ورجال سيئون على حد سواء، ولا أحد يعرف كيف ستنعكس هذه التجارب على مستقبل هذا الطفل بعيدا عن حضن العائلة وحمايتها.

المصدر : الجزيرة