وحدها أسماك وحيتان البحر الأبيض المتوسط قادرة على إحصاء ضحايا "وهم" الحلم الأوروبي من الأفارقة وغيرهم الذين ركبوا البحر بقوارب بدائية قاصدين تلك القارة العجوز هربا من الفقر والبؤس في بلادهم، فكان مصير الغرقى القاع والناجين الضياع.

المهاجرون يغامرون بحياتهم في قوارب بدائية قاصدين سواحل أوروبا (الأوروبيةـأرشيف)
مجدي مصطفى
 
وحدها أسماك وحيتان البحر الأبيض المتوسط قادرة على إحصاء ضحايا "وهم الحلم الأوروبي" من الأفارقة وغيرهم الذين ركبوا البحر بقوارب بدائية، قاصدين تلك القارة العجوز هربا من الفقر والبؤس في بلادهم، فكان مصير الغرقى القاع والناجين الضياع.

المأساة قديمة متجددة تتكرر فصولها وتتنوع تفاصيلها، ففي "عام الهجرة" 2013 لم تقتصر المأساة على مياه البحر الأبيض فقط، بل امتدت إلى بحار ومحيطات أخرى حول العالم حوت قيعانها حالمين آخرين، هربوا من الفقر والاضطهاد أو الكوارث التي حلت ببلادهم، ليقعوا في مصيدة شبكات تجار الموت وسماسرة الهجرة غير الشرعية التي تستغل حاجة هؤلاء المستضعفين فتسلبهم ما لديهم من أموال مقابل المقامرة بأعمارهم للوصول إلى ملاذ أكثر أمنا.

وحتى هذه الملاذات لم تعد كما كانت عليه من قبل، فلا الأذرع مفتوحة ولا فرص للعمل هناك متاحة،  وغاية ما يحصل عليه هؤلاء الواهمون المغلوبون على أمرهم أن يدرجوا في خانة الهجرة غير الشرعية التي تمثل حسب منظمة العمل الدولية نحو 15% من الهجرة العالمية، أما الأمم المتحدة فتقدر أعداد اللاجئين غير الشرعيين حول العالم بنحو 155 مليون شخص.

مهاجرة صومالية محتجزة
بأحد مراكز التوقيف بمالطا (رويترز)

كوارث
ومن بين العناوين الأبرز لمأساة هؤلاء المهاجرين الإنسانية التي شهدها عام 2013 -على سبيل المثال لا الحصرـ يقرأ من يراجع أحداث العام انتشال نحو 130 جثة لمهاجرين أفارقة قبالة ساحل لامبيروزا الإيطالية القريبة من صقلية.

وبلغ عدد المفقودين أكثر من مائتين، وحسب شهادات الناجين من الغرق فإن العدد الإجمالي للركاب كان نحو أربعمائة.

وأقيمت مراسم تأبين قرب ميناء سان ليون جنوبي إيطاليا لعشرات من ضحايا غرق سفينتين يومي 3 و11 أكتوبر/تشرين الأول 2013، بينهم 36 لاجئا فلسطينيا من ضحايا السفينة التي غرقت في اليوم الأول.

وقرب شواطئ جزيرة صقلية أيضا غرق قارب يقل مهاجرين سوريين ومصريين، كما نزل 102 من المهاجرين غير الشرعيين إلى الشواطئ الإيطالية بعدما رفضتهم السلطات المالطية.

وفي المياه السودانية بالبحر الأحمر غرق 197 شخصا من المهاجرين الأفارقة، أما قرب السواحل التركية فغرق 24 مهاجرا غير شرعي، واختبأ جزائري في محرك باخرة من أجل الوصول إلى إسبانيا، وفي مقدونيا اعتقلت السلطات عصابة لتهريب المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا الغربية. وهبّ خفر سواحل كرواتيا لنجدة مهاجرين غير شرعيين وأنقذ 65 منهم في المياه الدولية.

وإلى سبتة ومليلية المغربيتين اللتين تقعان تحت السيادة الإسبانية حاليا، تدفق نحو 300 مهاجر أفريقي غير شرعي اقتحموا الحدود، ولم تفلح جهود عناصر الشرطة الحدودية في منعهم. وفي بحر "سيانغور" بين إندونيسيا وجزيرة كريسماس الأسترالية، غرق 30 مهاجرا لبنانيا.

في مشهد المأساة السورية تتنوع التفاصيل الكارثية لمعاناة مليون لاجئ سوري اضطروا لمغادرة بلادهم هربا من أهوال الحرب المصحوبة بتيه جديد لآلاف اللاجئين الفلسطينيين هناك الذين تتوالى عليهم النكبات

أهوال ووجهات
وفي مشهد المأساة السورية حيث الحرب وأهوالها في عامها الثالث مصحوبة بالتهجير واللجوء والضحايا، تتنوع التفاصيل الكارثية لمليون لاجئ سوري اضطروا لمغادرة بلادهم هربا من أهوال الحرب المصحوبة بتيه جديد لآلاف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا الذين تتوالى عليهم النكبات.

وحسب المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فيليبو غراندي فإن الحرب الدائرة في سوريا تسببت بتهجير نحو ثلاثة أرباع اللاجئين الفلسطينيين هناك من مخيماتهم، وهناك نحو 530 ألف فلسطيني سوري مسجلين في سجلات الوكالة بسوريا، نحو 70 إلى 80% منهم مهجّرون الآن بسبب النزاع السوري.

وحسب منظمة الهجرة الدولية، تتركز وجهات هجرة الأفارقة إلى أوروبا من شمال القارة ووسطها نحو جنوب أوروبا, أما وجهة أغلب المهاجرين من شرق القارة فتتجه نحو اليمن، وفي البال حالات هجرة للأفارقة أيضا نحو إسرائيل.

أما قارة آسيا فتشهد موجات من الهجرة بينية أو إقليمية, بينما يتركز اتجاه الهجرة السرية في الأميركيتين من أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي نحو الولايات المتحدة وكندا. وفي أقصى الجنوب تعد كل من أستراليا ونيوزيلندا وجهة لأعداد كبيرة من المهاجرين السريين من الدول الآسيوية، خاصة من إندونيسيا.

قلق
ومع تنامي الظاهرة يتنامى القلق الأوروبي، فأوقفت فرنسا العمل مؤقتا باتفاقية "شنغن" لمنع دخول مهاجرين تونسيين من إيطاليا التي طالبت بدورها حلف شمال الأطلسي (ناتو) بالاضطلاع بدور في التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية، كما تم بناء أسلاك شائكة بين تركيا واليونان، وعقدت اتفاقية لتقاسم إيواء اللاجئين غير الشرعيين بين إسبانيا والمغرب.

أما زعماء الاتحاد الأوروبي فشكلوا لجنة عمل خاصة للتعامل مع ملف "الهجرة السرية"، فاقترحت تللك اللجنة مراقبة فعّالة للحدود الخارجية للاتحاد، وتفعيل البنود المتعلقة بإرجاع المهاجرين إلى بلدانهم، وتحديد الطرق القانونية للوصول إلى أوروبا، وتعزيز التعاون مع البلدان التي تشكل مصدرا أو معبرا للمهاجرين، ومكافحة عمليات الاتجار بالبشر والتهريب والجريمة المنظمة.
 
 لكن هذه الإجراءات تبدو احترازية ولا تشكل حجزا عند المنبع، فطالما ظلت أشباح الحروب والفقر والبطالة والاضطهاد تطارد الملايين من البشر، ستظل الهجرة قائمة ومصحوبة بكوارث ومآس إنسانية للمغلوبين على أمرهم حول العالم.

المصدر : الجزيرة