عبده قال إن الدول الأوروبية لم تتخذ إجراءات لمنع ومحاسبة مواطنيها من الارتزاق لحساب إسرائيل (الجزيرة نت)
حاوره/ ضياء الكحلوت-غزة

كشف تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن إسرائيل تجند في جيشها مرتزقة من معظم الدول الأوروبية، دون أن تتخذ هذه الدول إجراءات لمنع أو محاسبة مواطنيها الذين يقدمون على هذه الخطوة.

ودعا رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الدكتور رامي عبده السلطة الفلسطينية إلى لعب دور فاعل عبر سفاراتها ومنظومتها الرسمية لمتابعة ملف تجنيد مرتزقة أوروبيين في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وأكد عبده في حوار مع الجزيرة نت أن تجنيد المرتزقة بات اليوم لا يقتصر على أوروبيين يهود، بل امتد ليشمل متطوعين مسيحيين ويمينيين من معظم دول أوروبا. مشيرا إلى أنه يجب التفريق بين الجهوزية والرغبة الأوروبية لمنع تفاقم هذه الظاهرة ومحاسبة المجندين في صفوف الجيش الإسرائيلي.

وفيما يلي نص الحوار:

ما أبرز ما خرجتم به في التقرير عن المرتزقة الأوروبيين في الجيش الإسرائيلي؟

التقرير سلط الضوء على عمل تمَّ بصمتٍ على مدار عشرات السنين منذ إقامة الاحتلال، وكان سببا رئيسيا في تمكين الاحتلال من الأرض الفلسطينية، لكن الجديد هو الوتيرة المتسارعة خلال السنوات الخمس الماضية لتجنيد متطوعين للعمل في صفوف جيش الاحتلال، والتوجه الجديد بتجنيد متطوعين من داخل أوروبا ذوي خبرة عسكرية للمشاركة في "الدفاع عن المستوطنات"، وقمع المظاهرات الفلسطينية ضد الاستيطان.

جماعات يهودية ومسيحية يمينية على الساحة الأوروبية تقوم بتنظيم حملات لدعوة الأوروبيين للالتحاق بجيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية

كل ذلك جاء عبر نشاط محموم لمنظمات ترتبط بشكل مباشر بجماعات يهودية ومسيحية يمينية على الساحة الأوروبية، تقوم بتنظيم مشاريع وحملات في أوروبا لدعوة الأوروبيين للالتحاق بجيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وللانضمام إلى حملات دعم عمليات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

الأهم أن الأمر اليوم بات لا يقتصر على تجنيد أوروبيين يهود، بل امتد ليشمل متطوعين مسيحيين ويمينيين من معظم دول أوروبا، كما أفادت مجندة نرويجية في شهادتها للمرصد.

فقد كشفت المجندة أن إحدى المنظمات اليمينية ساعدتها بتوفير شقة ومبالغ من المال والسماح لها بالعودة إلى وطنها النرويج مرتين سنويا، مقابل الخدمة في الجيش الإسرائيلي، مؤكدة أنها لم تكن الوحيدة بل كانت برفقة أكثر من خمسة آلاف مجند على هذه الشاكلة.

كيف توصلتم إلى أن هؤلاء المرتزقة يعملون في الجيش الإسرائيلي. على ماذا استندتم؟

جمعنا المعلومات من مصادر متعددة، والجزء الأهم منها جاء من البحث الميداني عبر لقاءات مباشرة مع عدد من المجندين السابقين في عدة دول أوروبية بينها النرويج وهولندا وفرنسا وبريطانيا.

يضاف إلى ذلك رصد لتقارير متواترة صدرت عن عدد من المؤسسات الإعلامية الأوروبية المرموقة، بينها على سبيل المثال تقرير من ست صفحات لمجلة "فوكس" الألمانية مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كشفت بالأسماء والصور عن مئات من الألمان الذين التحقوا بالجيش الإسرائيلي خاصة من فئة الشباب.

وقدم التقرير شهادة كاملة لإحدى الملتحقات، وتدعى "ناتالي فلدفيبل" (20 عاما) من مدينة فورسبوج بألمانيا، والتي تحولت إلى الديانة اليهودية، وهي تخدم الآن أمام منصة صواريخ "باتريوت" ضمن قوات الجيش الإسرائيلي. وكذلك الطبيب الألماني الذي يسكن العاصمة الألمانية برلين وعرف نفسه بـ"عمير كوهين" -وهو اسم مستعار- الذي قال "أنا فخور بالخدمة في الجيش الإسرائيلي"، حيث يعمل كوهين في ثكنة عسكرية ليست ببعيدة عن تل أبيب.

وقد أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نفسه لتلك المجلة على سبيل المثال بأن عدد المجندين من حملة الجنسية الألمانية بازدياد دائم. وتشير المجلة نفسها إلى أن العشرات من الأجانب الملتحقين بالجيش الإسرائيلي يخدمون في صحراء النقب بالقرب من قطاع غزة، وهذا يعني أن الجنود مستعدون لشن اعتداءات على قطاع غزة، ومنهم من شارك في حربي ديسمبر/كانون الأول 2008 ونوفمبر/تشرين الثاني 2012، بحسب المجلة.

هذا فضلا عن ظهور عدد كبير من المتطوعين على وسائل إعلام مرئية، وربما تابع الجميع التصريحات الصادمة للمجندة الأوكرانية "يلينا زاكوسيلا"، في إحدى أشهر البرامج التلفزيونية في بلادها، والتي اعترفت خلالها أنها قامت بقتل أطفال فلسطينيين دون أن تبدي ندما على فعلتها. مؤكدة أنها مستعدة للعودة والخدمة بالجيش الإسرائيلي وقتل المزيد من الأطفال، على اعتبار أنهم "إرهابيون".

أما المصدر الثاني فهو مكاتب ومواقع إلكترونية لمنظمات التجنيد مثل "رابطة الدفاع اليهودية الفرنسية" التي تقوم بتجنيد يهود من داخل أوروبا ذوي خبرة عسكرية للمشاركة في الدفاع عن المستوطنات وقمع المظاهرات الفلسطينية المعارضة للاستيطان.

إضافة إلى منظمة "ماحال" التي تمتلك مكاتب لها حول العالم، من بينها مكتب في العاصمة البريطانية لندن، وتعمل على إرشاد الأجانب للالتحاق بالجيش الإسرائيلي من خلال تنظيم حملات إعلامية وتوعوية في الدول الأوروبية. فقد انضم الآلاف من المتطوعين من نحو أربعين دولة أجنبية، معظمهم من أوروبا.

هذه المنظمة على سبيل المثال تقوم باستهداف الفئات الشبابية من الجنسين وتجنيدهم في جيش الاحتلال الإسرائيلي من خلال برامج توعوية تمتد 18 شهرًا، باشتراط أن يكون عمر الشاب أقل من 24 عامًا، وعمر الفتاة أقل من 21 عامًا.

أيضا من خلال متابعتنا لموقع ومواد دعائية صادرة عن وحدة "ساريل"، وهي الوحدة المسؤولة عن رعاية هؤلاء المرتزقة خلال خدمتهم في صفوف الجيش الإسرائيلي، وهي تقدم شهادات واضحة حول مشاركة الأوروبيين في عمليات الجيش.

اعتبرتم أن قيام إسرائيل بتجنيد هؤلاء المتطوعين للخدمة في صفوفها جريمة، ومخالفاً للقانون الدولي، على ماذا استندتم في هذا الحكم؟

استندنا على المواد 47 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف 1977، والمادة (2) و(5) من "الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم"، والتي عرّفت الشخص المرتزق.

المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أكد لمجلة ألمانية أن عدد المجندين في الجيش الإسرائيلي من حملة الجنسية الألمانية بازدياد دائم

وتعرف الاتفاقية المرتزق بأنه شخص يُجنَّد للاشتراك في عمل من أعمال العنف يرمي إلى تقويض السلامة الإقليمية لدولة ما، أو بغرض مقاومة الممارسة الشرعية لحق الشعوب غير القابل للتصرف في تقرير المصير، ويدفعه لذلك مغنم مادي.

كما أن الفقرة الخامسة من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3103 لعام 1973 نصت على أن استخدام الأنظمة الاستعمارية للجنود ضد حركات التحرير التي تناضل في سبيل استقلالها من السيطرة الاستعمارية، يعتبر عملا إجراميا.

وكون هؤلاء الأفراد يأتون للقتال في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير اعتُرف به من قبل الأمم المتحدة.

ولأن هناك ما يفيد بتلقي هؤلاء المتطوعين عددا من الحوافز المالية تدفعهم للعمل في الجيش الإسرائيلي، مثل شقة ومبالغ مالية كما أفادت المجنة النرويجية لين بيريز. فهذا يعتبر جرما بحسب اتفاقية مناهضة تجنيد المرتزقة.

يذكر البعض أن كل يهود العالم هم إسرائيليون بطبيعة الحال بموجب القوانين الإسرائيلية التي تعد كل يهودي إسرائيليا، وبالتالي فهؤلاء المجندون هم يهود يقاتلون في جيش دولتهم. ما مدى صحة هذا الافتراض؟

صحيح أن إسرائيل من حيث المبدأ تمنح الجنسية لأي يهودي في العالم، ولكن هناك شروط لذلك والأمر ليس تلقائيا، وهذا محدد في قانون الجنسية الإسرائيلي لعام 1952، والذي حددت المواد الأولى منه طرق اكتساب الجنسية الإسرائيلية، ونجد أنها لا تنطبق على عدد كبير من هؤلاء الذين يأتون كمتطوعين.

وهذا ما يدفعنا إلى القول إن منح هؤلاء الأفراد للجنسية الإسرائيلية من أجل الخدمة في الجيش الإسرائيلي لا يأتي بتلقائية، وعلى أساس أن شروط اكتساب الجنسية انطبقت عليهم بقدر ما يأتي في إطار التحفيز لهم.

يضاف إلى ما سبق أن هناك قوانين في بعض دول الاتحاد الأوروبي -ألمانيا نموذجا- تحظر أن يكون الشخص حاملا لجنسيتين ويقاتل في صفوف جيش إحدى الدولتين، إذ هناك اعتبارات لها علاقة بانتمائه الوطني والحفاظ على السرّية، "مثلا ماذا لو حدثت حرب بين الدولتين؟".

ما الأساس القانوني الذي تستندون إليه في مطالبة بلدان من تسمونهم بالمرتزقة، بالتحقيق معهم ومحاكمتهم؟

في هذه النقطة نحن نستند على أساسين: الأساس الأول هو ما سبق وذكرناه بخصوص الارتزاق والذي يعد جريمة بموجب "الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم"، والتي أوجبت المادة السادسة منها على الدول أن تتعاون لمنع ذلك. كما أن المادة 15 اعتبرت أن هذه الجريمة هي من الجرائم التي تستدعي التعاون بين الدول في تسليم المجرمين.

الأساس الثاني، أن الجيش الإسرائيلي معروف بسجله الطويل في انتهاكات حقوق الإنسان من خلال عمله في الأراضي المحتلة، وقمعه للكفاح الفلسطيني ضد السيطرة الاستعمارية، وهو الأمر الذي تُعتبر المشاركة فيه أو دعمه بأية صورة -بحسب ما نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3103- مخالفةً لميثاق الأمم المتحدة.

هل تعتقد أن أوروبا قادرة أو جاهزة لمحاسبة هؤلاء المرتزقة. على اعتبار أنها تتماهى كثيرا مع إسرائيل ولا يمكن أن تُغضبها؟

المواثيق الدولية تعرف المرتزق بأنه شخص يُجنَّد للاشتراك في عمل من أعمال العنف يرمي إلى تقويض السلامة الإقليمية لدولة ما، أو بغرض مقاومة الممارسة الشرعية لحق الشعوب غير القابل للتصرف في تقرير المصير، ويدفعه لذلك مغنم مادي

اعتقد أنه يجب أن نفرق بين الجهوزية والرغبة، علينا أن لا ننسى أن المكون الأساسي من سكان دولة الاحتلال قدموا من دول أوروبية، يضاف إلى ذلك أن أنظمة الدول الأوروبية لعبت دوراً أساسياً ولا تزال في توفير الحماية للاحتلال الإسرائيلي، وربما خير مثال على ذلك انضمام إسرائيل الأخير إلى المجموعة الأوروبية داخل مجلس حقوق الإنسان.

لكن دعنا نعترف أن هناك تقدما في المواقف الأوروبية، الأجسام التشريعية للاتحاد الأوروبي وللدول الأوروبية أبدت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية تفهما أكبر لمعاناة الشعب الفلسطيني عبر عدد من القرارات.

وباتوا يؤمنون بضرورة اتخاذ مواقف فعلية ضد الاحتلال الإسرائيلي مثل تمييز منتجات المستوطنات، وقرار الاتحاد الأوروبي الأخير منع تخصيص أموال من الاتحاد الأوروبي لمعاهد البحوث وغيرها من الهيئات الإسرائيلية التي تعمل في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

نأمل أن يكون هناك في المستقبل مواقف متطورة وأكثر جدية تحديدا من الأجسام التنفيذية للاتحاد الأوروبي تجاه تجنيد المرتزقة في جيش الاحتلال. وهو ما يتطلب تفعيل قضية التجنيد وعمل منظمات التجنيد التي تدرج الولايات المتحدة بعضها على قوائم الإرهاب مثلا.

 ما دور السلطة الفلسطينية في وقف تدفق هؤلاء؟

اعتقد أن السلطة الفلسطينية مطلوب منها أن تلعب دورا فاعلا بهذا الصدد، بتفعيل الموضوع على المستويات الرسمية والشعبية الدولية. السفارات والمنظومة الرسمية للسلطة الفلسطينية مدعوة لأن تأخذ زمام المبادرة في فضح هذا التدفق للمجندين.

لماذا برأيكم اهتم الكثير في إسرائيل بنفي نتائج دراستكم وتقريركم. لماذا يخفون دور المرتزقة في الجيش؟

إسرائيل تدرك جيدا أن الحديث في مثل هذه القضية يعيد إلى الأذهان طريقة احتلالها وسيطرتها على الأراضي الفلسطينية، ويكشف عن وجه قبيح لممارسات خارج نطاق القانون. إضافة لما للأمر من تبعات قانونية، وأيضا ضغط وإحراج للاحتلال ومؤسساته.

المصدر : الجزيرة