بعد مرور نحو عقد من الزمان على "الثورة البرتقالية" التي عرفتها أوكرانيا، تجدد الحديث عنها شتاء عام 2013، على وقع استقطاب حاد بين روسيا قبلة البلاد الأولى، وأوروبا "القبلة الجديدة" التي لم يحسم أمر الاتجاه شطرها بعد.


متظاهرون يرفعون علم الاتحاد الأوروبي في العاصمة الأوكرانية كييف (الفرنسية)

 مجدي مصطفى

بعد مرور نحو عقد من الزمان على "الثورة البرتقالية" التي عرفتها أوكرانيا، تجدد الحديث عنها شتاء عام 2013، على وقع استقطاب حاد بين روسيا قبلة البلاد الأولى، وأوروبا "القبلة الجديدة" التي لم يحسم أمر الاتجاه شطرها بعد.

وبعد أن أصبحت جزءا من الماضي، وقرينة لـ"الإلهام"، ثم "الإحباط"، كذلك "التأمل واستخلاص الدروس" عادت "برتقالية" أوكرانيا إلى الواجهة، لكنها أقل بريقا هذه المرة، حيث تأتي على خلفية إخفاق الاتحاد الأوروبي في إقناع أوكرانيا يوم الجمعة 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 باتفاق تاريخي يكرس تقاربها مع الغرب ضمن ست دول "سوفاتية سابقة".

ولم يتردد الاتحاد الأوروبي في انتقاد روسيا التي اتهمها بممارسة ضغوط على أوكرانيا، مؤكدا بذلك احتدام "لعبة شد الحبال" بين الجانبين، بينما خرجت المعارضة الأوكرانية إلى الشوارع في مظاهرات احتجاجية تطالب بإجراء انتخابات جديدة، واستقالة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش المتهم من الغرب والمعارضة في بلاده بإعادة أوكرانيا لقبضة روسيا.

وإلى الواجهة، عادت مرة أخرى ميدان "الاستقلال" في العاصمة كييف الذي كان رمزا "للثورة البرتقالية" عام 2004 الداعية إلى التخلص من هيمنة روسيا، وثمة فرق بين ما كان عليه الحال تلك الأيام، وما عليه الأوضاع حاليا، حيث يطلق عليه البعض ساخرا "ميدان أوروبا"، لكن الوضع يستلزم التذكير ببعض الحقائق للتمييز بين سياق الحالتين.

دعمت أوروبا والولايات المتحدة -فترة وإدارة الرئيس جورج بوش الابن- ظاهرة "الثورات الملونة" بدول مثل "وردية" جورجيا، و"برتقالية" أوكرانيا، لتحقيق أهداف سياستها الخارجية
ثورات وألوان
في إطار تسميات "الثورات الملونة" شهدت أوكرانيا في الفترة من أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2004 وحتى يناير/ كانون الثاني 2005، سلسلة من الاحتجاجات أعقبت جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية على خلفية ما تردد عن التزوير والفساد وترهيب الناخبين والفساد وسوء الأوضاع الاقتصادية.
 
ودعمت أوروبا والولايات المتحدة ظاهرة "الثورات الملونة" في دول مثل "وردية" جورجيا، و"برتقالية" أوكرانيا، لتحقيق أهداف سياستها الخارجية.
 
وبدا هذا الأمر جديدا على الأوكرانيين الموزعين بين الأقاليم الغربية الثائرة على روسيا "قبلتها الأولى" والمتعجلة للاندماج مع "القبلة الجديدة" أوروبا، مقابل الأقاليم الشرقية الأكثر وفاء لروسيا والتي تشترك وأهلها في اللغة وطريقة التفكير.

وهزت المشاركة الواسعة للجماهير والمواطنين أوكرانيا والعالم، ومع إعادة فرز الأصوات حققت الثورة البرتقالية نجاحا "مؤقتا" بخسارة المرشح الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش وأنصاره في جولة الإعادة لصالح الرئيس فيكتور يوتشينكو، لتخسر روسيا جولة "شد الحبال مع أوروبا والغرب في برتقالية 2004.

وجيء بالتكنوقراطي يوتشينكو ليصبح رمزا لأوكرانيا الجديدة، الذي كاد أن يصبح "شهيدا" للثورة عندما دُسَّت له كمية من سم "الديوكسين" في حادثة لم تكشف خيوطها حتى الآن، ليتم توجيه أصابع الاتهام إلى موسكو رغم نجاته بأعجوبة ليصاب بتشوهات جلدية في وجهه، ولتضفي عليه هذه الحادثة هالة "الشهيد الحي"، الذي عبثت بوجهه "يد موسكو الطويلة"، ولتلعب الدور الأكبر في إنجاح الثورة "البرتقالية".

وعود وإخفاق
وتأكد فوز يوتشينكو، الذى أصبح ثالث رئيس للبلاد بعد استقلالها، وقامت الثورة البرتقالية ضد فساد رجال الأعمال وتربحهم واقتراض مليارات الدولارات من أموال الدولة عبر البنوك، وقضايا الفساد المرتبطة بالغاز الروسي، وهيمنة الأثرياء على قدرات الدولة، مع ضعف الحياة السياسية والتمثيل الحزبي فى البرلمان الذى تحول إلى "ناد للأغنياء".
 
وتعهد يوتشينكو بتحقيق عشرة أهداف أهمها توفير خمسة ملايين فرصة عمل، وزيادة الرواتب والمعاشات، وخفض الضرائب، ومحاربة الفساد، ومضاعفة الناتج الزراعي، والحد من الفجوة بين الأثرياء والفقراء، وإيقاف الانكماش الديموغرافي.

وبعد خمس سنوات من الثورة، فشل في تحقيق تلك الوعود، فزادت معدلات الفقر إلى ٣٧%، وتراجعت فرص العمل وتزايدت معدلات البطالة إلى ١٥%، وتفاقم عجز الميزانية وتراجعت معدلات النمو واستشرى الفساد، وبدا أن رجال الأعمال الذين أنفقوا عليها انتظروا رد الجميل، لذلك أخفقت في ترجمة طموحات الشعب، فأصبحت مدينة لرجال الأعمال الذين انقسموا على أنفسهم دعما للمعسكرين المتنافسين.

ودفع فشل يوتشينكو في تحقيق التوازن بين فروع السلطة إلى قبوله مضطرا قبل انتخابات الإعادة عام 2007 إلى الموافقة على إجراء تعديلات دستورية نقل بموجبها بعض صلاحيات الرئيس للبرلمان، خاصة ما يتعلق منها بتشكيل الحكومة، فأصبحت أوكرانيا دولة برلمانية رئاسية أنتجت أرضية لمواجهات مستمرة بين الرئيس والبرلمان والحكومة.

في مراجعات "الثورة البرتقالية" يراها البعض أنها كانت "كابوسا مؤرقا وخيبة أمل" ممن وعدوا ولم يتمكنوا من الوفاء بالوعد، ومبعث أسف على آمال لم تتحقق

فشل ومراجعات
ومن وجه يوتشينكو الذي حوّله التشوه إلى وجه نسائي طفولي، وتسريحة ريفية بضفيرة واحدة لشعر ذهبي، إلى صورة يوليا تيموشينكو والتي ظهرت وشقت طريقها للسياسة، واعتبرها البعض "جان دارك الثورة البرتقالية" وتولت رئاسة الوزراء إلى أن انتهى بها المطاف إلى السجن بعد إدانتها بالتورط في قضايا فساد بسبب توقيعها اتفاقاً مع موسكو تبيّن فجأة أنه أصاب مصالح أوكرانيا بضرر وغدا سبباً لعزلها من رئاسة الوزراء وإرسالها إلى السجن.

وأسفرت الضغوط الغربية وحالة الاستقطاب الدولي عن نتائج مخيبة لآمال الشارع في انتخابات ٢٠١٠ بفوز يانوكوفيتش إثر فشل حكومة الثورة في إنجاز أهدافها.

وفي مراجعات "البرتقالية" يراها البعض أنها كانت "كابوسا مؤرقا وخيبة أمل" ممن وعدوا ولم يتمكنوا من الوفاء بالوعد، ومبعث أسف على آمال لم تتحقق، ونعتها وسائل الإعلام الغربية بعناوين مثل "الموت الحزين للثورة البرتقالية". بعد أن عجزت عن مواجهة فساد الطبقة الغنية ورجال الأعمال. ووثبت مؤشرات الفساد، فتقرير الشفافية الدولية لعام ٢٠٠٩ وضع أوكرانيا بالمرتبة الـ١٤٦ (من بين ١٨٠ دولة). 
 
حساب التوازنات
وعودة إلى تجدد الاحتجاجات في أوكرانيا شتاء 2013، حيث يجد المتابع أن يبقى المشهد يتكرر بتفاصيل أخرى وسط دعوات لمواصلة الاعتصام والتظاهر، وقسوة السلطات في فض المسيرات، ما أدى إلى سقوط عشرات الجرحى في كييف، الأمر الذي قوبل بتنديد الولايات المتحدة. أما أوروبا فقالت إنها "غاضبة وتراقب وتدعو إلى عدم ضرب المعتصمين".

ومن سجنها حيث تمضي عقوبة السجن سبع سنوات، دعت يوليا تيموشينكو -التي تطالب أوروبا بإطلاق سراحها- الأوكرانيين إلى "الوقوف في وجه الديكتاتورية والتعبئة وسط كييف، كذلك كان موقف زعيم المعارضة أرسيني ياتسينيوك الذي شبه الوضع في بلاده بما هو عليه في بيلاروسيا الجار الثاني لروسيا العدو للغرب والحليف للكرملين، وتعهّد بمواصلة الاحتجاجات.

وتؤكد الشواهد أن الاستقطاب لن يتوقف، وتبدو روسيا -بعد أن كسبت جزءاً من المعركة خلال السنوات الماضية- أكثر ثقة بالنفس حيث سبق ونجحت في إعادة أرمينيا لحظيرتها عبر إعلانها في سبتمبر/أيلول الماضي انضمامها لاتحادها الجمركي، الروسي، ما جعل القادة الغربيين لا يخفون القلق من تصاعد الضغط الروسي على جورجيا ومولدافيا اللتين وقعتا على اتفاق شراكة أولي مع الاتحاد الأوروبي تمهيدا لتوقيع نهائي مرتقب العام المقبل.

ولا تكف موسكو عن مراقبة كل تطور داخل البلد الجار، وترفع عصا "الغاز" في "برودة الشتاء" وتمد جزرة سعره كلما دعت الحاجة، وبعثت برسالة قوية إلى الأوروبيين مفادها أنها لن تسمح بعزل يانوكوفيتش، من خلال تحذير رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الدوما، أليكسي بوشكوف، من "مؤامرة أوروبية بدأت معالمها تتضح وهدفها إطاحة يانوكوفيتش وتنصيب رئيس بديل يوقّع الاندماج مع أوروبا". 

المصدر : الجزيرة